من هو فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة؟ هو عملاقٌ من عمالقة الأدب، بل كان عملاقاً في الفكر والثقافة؛ فيلسوفاً جمع بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، وأحد أبرز أعلام الفكر العربي الحديث: زكي نجيب محمود، «فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة».

قرأتُ له في أحد إصداراته كيف كان لقاؤه الأول بالعقاد؛ يقول إنه في صباح يوم شتوي ذهب لزيارته، فسأل عنه حتى دُلَّ على غرفته. وما إن دخل حتى وجد بابها مفتوحاً على مصراعيه، وليس فيها إلا منضدة شديدة البساطة؛ سطحٌ خشبي على أربع قوائم، وإليها جلس العملاق الكبير على مقعد بسيط.

لم تكن أمامه ورقة، ولا كتاب. كانت الغرفة عارية الأرض والجدران، خالية من كل ما يمكن أن يلفت الانتباه؛ لا أثاث فخماً، ولا مجلدات متراصة، ولا مظاهر توحي بمكانة صاحبها.

ويصف زكي نجيب محمود نفسه أمام العقاد قائلاً: «وهأنذا أقف أمامه، كالتلميذ الصغير في حضرة عملاقٍ ملأ الأدب حضوراً وهيبة؛ أتعثر بخطاه أمام عَلَمٍ من أعلام الأدب، لم يُرهق نفسه بالمظاهر، وترك لقلمه وهيبته وعلمه أن تتكفل بالحضور. هيبةٌ تملأ المكان، وفي مقابلها رحمةٌ وتواضع؛ صفتان تبدوان متناقضتين، لكنهما اجتمعتا في رجل واحد».

تأملتُ طويلاً هذا الموقف وهذا السرد، فوجدتني أمام معادلة غريبة؛ أراها أحياناً بين الطرح والجمع، وأحياناً أخرى أراها كذاك العدد الذي لا يقبل القسمة إلا على نفسه وعلى الواحد. أولها أن العقاد حالة يصعب أن تتكرر، وثانيها أن أولئك الذين ينتمون إلى مدرسته صنعوا مكانتهم بما يحملونه في صدورهم وعقولهم؛ فكانت قيمتهم حقيقة قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى برهان.

لم يكترث العقاد بالمظاهر الخارجية، ولا بتناثر الأوراق، ولا بتزاحم الكتب والمجلدات. اكتفى بالهدوء، وبما يسكن عقله من علم ومعرفة. لم يكن بحاجة إلى أن يثبت للعالم أنه ذو قيمة ومكانة؛ لأنه كان يعرف تماماً مَن هو، وأين يقف، بكل ما تحمله الكلمة من وقار واحترام وتواضع.

وبعيداً عن هذا وذاك، أن تعي قيمة نفسك شيء، وأن تجعل الآخرين يشعرون بها شيء آخر تماماً. قد نبني لأنفسنا حدوداً أجهدنا العمر في تشييدها، ونحرس مكانتنا بما يليق بها، ولكن القيمة الحقيقية لا تحتاج في كل مرة إلى أن تعلن عن نفسها.

فبعض القامات كلما ارتفعت تواضعت، وبعض الهيبة لا يصنعها ما يحيط بالإنسان، بل ما يستغني الإنسان عن إظهاره. ولعل أجمل ما تركه ذلك المشهد في نفسي أنني لم أعد أتساءل: ماذا كان في غرفة العقاد؟ بل: ماذا كان في العقاد حتى لم تحتج غرفته إلى شيء؟