للغياب قدرة غريبة على إعادة تعريف الحضور؛ فما اعتدناه قريباً قد لا ندرك مساحته في أيامنا إلا حين يبتعد، وما كان جزءاً هادئاً منها يكشف غيابه مقدار ما كان حضوره يعنيه لنا. كأن بعض الحضور لا يُرى كاملاً إلا من جهة الغياب.

وثمة أشخاص تمضي حياتهم بين الناس بلطفٍ لا يُرى كله، فلا نُدرك ملامح حضورهم كاملة إلا حين يكشف الغياب ما أخفاه تواضعهم في حياتهم.

هكذا بدا لي رحيل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم.

فمنذ أن تداول الناس خبر وفاته، مدّ الحزن ظلّه على دبي؛ فكان حاضراً في الكلمات والوجوه والأماكن. وما زلت أشعر أن شيئاً من تلك الهالة باقٍ في ملامح المدينة وفي زوايا اعتادت حضوره ثم بدت بعده معتمة، كأن نوراً كان يمر بها في هدوء ثم غاب.

كان الشيخ أحمد معروفاً للناس، لكن قليلين عرفوه عن قرب، وكان قليل الظهور، لا تصاحب أعماله الأضواء، ولا يسبق خيره حديث عنه. وحين رحل، بدأ الذين عرفوه يتحدثون، وكأن كل واحد منهم كان يحمل جانباً من صورة لم نكن نراها كاملة.

هذا يتحدث عن كرمه، وذاك عن سماحته، وآخر يستعيد موقفاً لم ينسه. أحدهم عرف فيه أباً، وآخر وجده سنداً، وثالث حفظ له صداقة ووفاءً امتدا سنوات. وتكررت في أحاديثهم ابتسامته وطيب معشره وقربه من الناس. اختلفت الزوايا وأصحابها، لكن الرجل الذي خرج منها كان واحداً.

ومع توالي الحكايات اتضحت ملامح الصورة: عطاء ورفق مضى بهما بين الناس، وبقي أثرهما بعده.

لم يكن الرفق موقفاً واحداً، ولا العطاء عملاً بعينه؛ فقد امتدا في حياة كثيرين، دون أن يجعل منهما حكاية عن نفسه. أعمال عرفنا بعضها، وأخرى بقيت سراً بينه وبين الله.

وهكذا بقي من تلك الصورة أثر نراه ولا نعرف مداه؛ قبول نرجو أن يكون الله قد كتبه له في الأرض، ظهر بعد رحيله محبة في القلوب، وثناء على الألسن، وحزناً امتد من الناس إلى المكان.

فالخير حين يكون سجية لا يحتاج صاحبه إلى أن يروي حكايته، بل يتركها في حياة الناس، وحين تتوالى الشهادات وتلتقي على الكرم والسماحة وطيب الخلق، يذكّر ذلك بقول النبي: «أنتم شهداء الله في الأرض».

رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، رحل إلى جوار ربه، لكن شيئاً من نوره بقي في القلوب وفي زوايا مدينة ما زالت تنعاه بهدوء.