في رسالته إلى فريق عمله، وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ملامح مختلفة لقائد المستقبل.

لكن جملة ملهمة في رسالته توقفت عندها طويلاً؛ لأنها تلامس سؤالاً نناقشه هذه الأيام في المجال الأكاديمي وقاعات التدريس والتدريب، وتفتح باباً واسعاً لإعادة التفكير في علاقتنا بالإنسان داخل المؤسسة: «لا تنظر إلى فريق العمل كموارد». جملة قصيرة، لكنها تهزّ مفهوماً إدارياً استقر في أدبيات الإدارة لعقود.

فمنذ زمن طويل، ونحن نستخدم مصطلح «الموارد البشرية» ونضع الإنسان، ولو لغوياً، إلى جانب الموارد المالية والتقنية والمادية. وكان لهذا المفهوم دوره في تنظيم التوظيف والتدريب والتقييم وإدارة الأداء. لكن عصر الذكاء الاصطناعي يدعونا إلى إعادة طرح السؤال من جديد: هل الإنسان فعلاً مورد؟

جملة تبدو إدارية، لكنها في الحقيقة تعيد النظر في فلسفة كاملة حكمت المؤسسات لعقود.

المورد شيء تستخدمه المؤسسة، وتخصصه، وتقيس إنتاجيته، وتحاول الحصول على أكبر عائد منه. المال مورد. المبنى مورد. الوقت مورد. والآلة مورد. أما الإنسان... فقُدرة.

وهنا تكمن أهمية رؤية محمد بن راشد حين يضع الآلة في موقع المورد؛ لأنها تكتب وتحفظ وتؤرشف وتبرمج وتتابع العمليات، بينما يضع الإنسان في مساحة أعلى: الإبداع والخيال وصناعة الأفكار. وهذا التحول ليس لغوياً، بل قيادي.

فإذا كانت الآلة تستطيع إعداد التقرير خلال ثوانٍ، فلماذا نستهلك الإنسان في إعداده؟

وإذا كانت تستطيع حفظ ملايين الوثائق واسترجاعها، فلماذا نقيس قيمة الموظف بكمية ما يحفظ؟ وإذا أصبحت قادرة على تنفيذ العمليات المتكررة بسرعة ودقة، فلماذا نستمر في استخدام الإنسان وكأنه آلة أقل كفاءة من الآلة؟ لذلك أعتقد أن السؤال الخطأ في عصر الذكاء الاصطناعي هو: ما الوظائف التي ستأخذها الآلة من الإنسان؟

والسؤال الأهم: ما القدرات التي سنحررها في الإنسان عندما تتولى الآلة جزءاً أكبر من العمل الروتيني؟

هنا ننتقل من إدارة الموارد البشرية إلى قيادة القدرات البشرية. فالمؤسسة المستقبلية لن تسأل فقط: كم موظفاً لدينا؟ بل ستسأل: كم فكرة لم نكتشفها بعد داخل هؤلاء الموظفين؟

كم موهبة مختبئة خلف مسمى وظيفي؟ وكم قدرة نستهلكها في أعمال روتينية تستطيع الآلة إنجازها؟ وكم موظفاً يأتي كل صباح إلى المؤسسة بعقله وخياله وتجربته.. ثم نطلب منه فقط أن يتبع الإجراء؟

وهنا تصبح عبارة محمد بن راشد بأن «الأفكار ستكون أغلى أصول المؤسسة» أكثر من عبارة ملهمة؛ إنها معادلة إدارية جديدة.

فكل موظف قد يحمل فكرة تغير خدمة، أو تختصر إجراءً، أو تخفض تكلفة، أو تخلق فرصة لم تكن موجودة. لكن الأفكار لا تعيش في بيئات الخوف.

وهنا يأتي الفرق بين القائد الذي يدير الإنسان والقائد الذي يحرر الإنسان. الأول يراقب الحضور، والثاني يبحث عن الجهد الفكري.

الأول يخشى الخطأ، والثاني أن يمنح مرؤوسيه فرصة التجربة، حتى لو هددها الخطأ. الأول يريد موظفاً منضبطاً ينفذ التعليمات، والثاني يريد إنساناً مسؤولاً يملك الشجاعة ليقول: لدي فكرة أفضل.

وهذه ربما تكون إحدى أهم مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: كلما أصبحت الآلات أكثر قدرة، أصبح واجب القيادة أن تجعل الإنسان أكثر حرية. حرية السؤال. حرية التجربة. حرية الاختلاف. وحرية المبادرة. لأن أخطر هدر في مؤسسة المستقبل لن يكون هدر المال أو الوقت.

بل هدر الإمكانات البشرية. أن توظف عقلاً... ثم تستخدم يديه فقط. أن تستقطب موهبة... ثم تحاصرها بإجراء. أن تطلب الابتكار... ثم تعاقب أول محاولة تفشل. وأن تتحدث عن المستقبل... بينما تقود الناس بعقلية الماضي. الذكاء الاصطناعي سيجعل الآلة أفضل في أن تكون آلة.

أما مهمة قائد المستقبل، فهي أن يجعل الإنسان أفضل في أن يكون إنساناً: يتخيل، ويسأل، ويبتكر، ويجرب، ويصنع المعنى.

ولذلك ربما حان الوقت لأن نعيد التفكير ليس فقط في مسمى «الموارد البشرية»، بل في الفلسفة التي تقف خلفه. فالآلة مورد نستثمر فيه.

أما الإنسان... فإمكان نحرره. ومن يملك في مؤسسته مئة موظف، لا يملك مئة مورد... بل يملك مئة احتمال لتغيير المستقبل.

كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية