المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه. زرتُ مؤخراً متحف المستقبل مجدداً، وتأثرت كثيراً بهذه المقولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، المنقوشة على جداره.

فالمستقبل لا يأتي بالانتظار، وقدرة الدولة على تحويل رؤاها إلى واقع تحدد نجاح مسيرة تحديثها. وفي الصين، تنتشر أيضاً مقولة للرئيس شي جين بينغ: «لتحقيق الحلم الصيني، علينا أن نستيقظ مع بزوغ الفجر، وننظر إلى آفاق بعيدة، ونشمّر عن سواعدنا ونعمل بجد».

وتعكس هذه الكلمات سمة مشتركة في نجاح الصين والإمارات: ما إن يتحدد الاتجاه حتى يُحافظ على الثبات الاستراتيجي، وما إن يُتخذ القرار حتى تُبذل الجهود لتنفيذه.

وبفضل هذا النهج الذي يقدّر العمل ويولي التنفيذ أهمية، تحولت رؤى تنموية بدت بعيدة المنال إلى إنجازات تحديثية لافتة.

ويُعدّ الحزب الشيوعي الصيني قائد مسيرة التحديث في الصين، ملتزماً بالجمع بين المعرفة والعمل وبالعمل الجاد. ففي دولة نامية يزيد عدد سكانها على 1.4 مليار نسمة، لا يمكن حتى لأفضل السياسات أن تُحدث تغييراً حقيقياً ما لم تُنفذ على مستوى القاعدة وبين الناس.

ويضم الحزب أكثر من 100 مليون عضو، وله منظمات حزبية منتشرة في المدن والريف والمؤسسات والمدارس والمجتمعات، تربط قرارات اللجنة المركزية بملايين الناس، وتحول أهداف التنمية الوطنية إلى ممارسات ملموسة، بما يشكل منظومة تنظيمية قوية وفعالة ومتحدة.

وتُعدّ معركة القضاء على الفقر خير مثال على قوة الحشد والتنفيذ. ووفاءً بالتعهد بألا يتخلف أي قوم أو فرد عن بناء مجتمع رغيد الحياة، بدأت الصين عام 2013 تنفيذ استراتيجية «التخفيف الموجّه من الفقر».

ونزل ملايين من أعضاء الحزب والكوادر إلى الريف، وعاشوا وعملوا إلى جانب السكان، وزاروا القرى والأسر لفهم احتياجاتها، ووضعوا تدابير مساعدة وفقاً لظروفها، وطبقوا سياسات التعليم والصحة والإسكان ومياه الشرب وتنمية الصناعات على أرض الواقع.

وبعد ثماني سنوات من العمل الدؤوب، قضت الصين تاريخياً على الفقر المدقع عام 2020، وانتشلت قرابة 100 مليون من سكان الريف من الفقر، وأخرجت 832 مقاطعة فقيرة من قائمة الفقر، محققة إنجازاً بارزاً في تاريخ الحد من الفقر.

ويجسد تطور الإمارات، ولا سيما دبي، روحاً عملية واضحة. وقد سبق لي زيارة متحف الاتحاد، حيث تعرفت إلى الجهود التي بذلتها دبي خلال مسيرتها التنموية.

ومؤخراً، طرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مفهوم «Dubai-it» الذي يجسد بصورة أوضح ثقافة دبي: تحويل الأفكار الطموحة بسرعة إلى نتائج ملموسة من دون المساس بالجودة.

ويتطلب ذلك قدرة عالية على الحشد والتنفيذ. فمن برج خليفة إلى السيارات الطائرة والمركبات ذاتية القيادة، تتحول كثير من الأفكار الكبرى في دبي بسرعة إلى مشاريع ملموسة. ووراء ذلك تنسيق فعال بين الحكومة والقطاع الخاص ومختلف الأطراف، إلى جانب آلية سريعة لاتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ حتى النهاية.

وهذه الثقافة العملية والفعالة هي إحدى أبرز مزايا دبي في استقطاب المواهب ورؤوس الأموال وموارد الابتكار من أنحاء العالم.

الكلام الفارغ يضر بالأمة، والعمل الجاد يبنيها. وتتلاقى «سرعة الصين» مع «Dubai-it» في تقدير العمل والتنفيذ.

وتثبت تجارب الصين والإمارات أن التحديث لا يأتي من تلقاء نفسه ولا يتحقق بين عشية وضحاها، بل يتقدم بفضل العمل الجاد والجهود المتواصلة جيلاً بعد جيل.

فالعمل وحده يحول تطلعات الناس إلى حياة أفضل إلى واقع، ويحوّل مخططات التنمية الوطنية إلى إنجازات ملموسة. والعمل الجاد لا يمثل فقط مفتاح نجاح الصين والإمارات، بل هو أيضاً قاعدة مهمة لتحقيق التحديث في العالم.