نعيش اليوم في ظل تطور تقني ورقمي أسهم في تيسير شؤون الحياة وتطوير أساليب العمل، إلا أن لهذا التطور ضريبته عندما تُستخدم التقنية بصورة غير مسؤولة أو غير مشروعة، وما ينتج عن ذلك من ممارسات وأساليب تثير قلق المجتمعات، لا سيما في ظل تطور التهديدات الأمنية وأساليب الجريمة بصورة متسارعة قد تمس أمن المجتمعات.

وليس أدل على ذلك من الجرائم التي يتم فيها توظيف التقنيات الرقمية بطرق قد تبدو في ظاهرها اعتيادية، في حين تخفي وراءها أنشطة إجرامية معقدة، الأمر الذي وضع العالم أمام تحديات جديدة تتطلب تطوير وسائل منع الجريمة ومكافحتها، وتعزيز العدالة الجنائية وسيادة القانون.

ولعل من أبرز الفروق بين الأمس واليوم أن كثيراً من الجرائم كانت تأثيراتها ومستهدفاتها ضمن نطاق جغرافي محدود، في حين نشهد اليوم واقعاً مختلفاً؛ إذ استفادت الجرائم من التقنيات الحديثة لتتجاوز الحدود الجغرافية، وتطورت أساليبها بما زاد من تعقيد المشهد واتساع نطاق الأضرار المترتبة عليها.

وهنا يقودنا الحديث إلى التساؤل حول كيفية مواجهة هذه التحديات، وما الذي يمكن أن ترسمه من ملامح جديدة لمستقبل منع الجريمة وتحقيق العدالة الجنائية في العصر الرقمي.

ويتمثل التحدي الأول في تطوير وتكامل أدوار المؤسسات العدلية والأمنية والشركاء المعنيين، والانتقال من الاستجابة بعد وقوع الجريمة إلى تعزيز الوقاية والاستباق، من خلال الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، بما يساعد على رصد أنماط المخاطر والمؤشرات المرتبطة بالجريمة، وفهم السيناريوهات المحتملة، ودعم اتخاذ قرارات أكثر كفاءة في مجال الوقاية منها.

أما التحدي الثاني فيتعلق بتحول جزء متزايد من الأدلة إلى العالم الرقمي؛ فالهواتف الذكية، والكاميرات، والبيانات الجغرافية، والمدفوعات الإلكترونية، ومنصات التواصل، والبيانات السحابية أصبحت من المصادر المهمة للمعلومات والأدلة. وفي المقابل، تتطور وسائل إخفاء النشاط الإجرامي باستخدام التشفير والأصول الافتراضية والذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق، ما يجعل قدرات التحقيق الرقمي وجمع الأدلة الإلكترونية وحفظ سلامتها ومشروعيتها عنصراً أساسياً في مستقبل العدالة الجنائية.

أما التحدي الثالث فيرتبط بدور الذكاء الاصطناعي في منظومات العدالة والتحقيق؛ إذ يمكن للأنظمة الذكية تحليل كميات هائلة من الوثائق، وربط المعلومات والأدلة، واكتشاف العلاقات والأنماط، ودعم المحققين والقضاة والمختصين في التعامل مع هذه المعلومات. وهنا يظل العنصر البشري حاسماً في تحليل النتائج واتخاذ القرار، بما يضمن الاستخدام المسؤول ويحفظ حقوق الأفراد، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للقرار، وليس بديلاً عن القاضي أو المحقق.

ويتعلق التحدي الرابع بالطبيعة العابرة للحدود الجغرافية لعدد متزايد من الجرائم الحديثة، مثل الاحتيال الإلكتروني والابتزاز وسرقة الهوية والتجسس والجرائم المالية الرقمية والهجمات السيبرانية؛ وهنا تبرز أهمية تعزيز التعاون القضائي والأمني الدولي، وتبادل المعلومات والأدلة، والمساعدة القانونية المتبادلة، بصورة أكبر من أي وقت مضى.

ويتمثل التحدي الخامس في إيجاد التوازن بين الأمن والخصوصية والحقوق. فكلما اتسعت قدرات جمع البيانات وتحليلها والاستفادة منها في منع الجريمة، ازدادت في المقابل المسؤوليات المرتبطة بحماية الخصوصية والبيانات، وضبط الوصول إليها واستخدامها، وضمان خضوع الأدوات والخوارزميات للحوكمة والمساءلة.

لذا فإن نجاح النموذج المستقبلي للعدالة الجنائية لن يُقاس فقط بقدرته على الحد من الجريمة، بل يمتد إلى قدرته على حماية سيادة القانون وصون الحقوق والمحافظة على الثقة في المؤسسات.

ومن هنا تبرز أهمية انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، في دولة الإمارات لما تتمتع به من مكانة وسمعة دولية راسخة، حيث تستضيفه أبوظبي خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى 1 أكتوبر 2026، ويمثل المؤتمر فرصة تجمع دول العالم والخبراء والمؤسسات المعنية لتبادل التجارب والخبرات، ومناقشة سُبل الانتقال من المبادرات المنفصلة إلى تعاون أكثر تكاملاً وفاعلية في منع الجريمة وتعزيز العدالة الجنائية.

ويأتي مشروع «إعلان أبوظبي» أحد أبرز المخرجات المرتقبة للمؤتمر، حيث يجري التفاوض بشأنه بين الدول الأعضاء تمهيداً لاعتماده، ويتناول مجموعة من الأولويات المرتبطة بمنع الجريمة والعدالة الجنائية، وفي مقدمتها الوقاية القائمة على الأدلة، والعدالة الجنائية المتمحورة حول الإنسان، والتصدي لأشكال الجريمة الجديدة والناشئة، والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات والشراكات متعددة الأطراف.

وتضطلع وزارة العدل، وبالتعاون والتنسيق مع شركائها الاستراتيجيين المحليين والدوليين، بدور أساسي في التحضيرات المرتبطة بالمؤتمر ودعم جوانبه القانونية والقضائية، بما يعزز الاستفادة منه في تطوير الشراكات وتبادل الخبرات وبناء قدرات منظومات العدالة على التعامل مع التحديات المستقبلية.

وفي النهاية، علينا أن ندرك أننا نقف أمام منعطف عالمي تفرض فيه المتغيرات المتسارعة ضرورة إيجاد حلول قادرة على حماية أجيال الغد. ومن هنا، فإن تعزيز التعاون وتبادل المعرفة والخبرات، والاستفادة المسؤولة من التطورات الرقمية، والمحافظة في الوقت ذاته على سيادة القانون والحقوق، تمثل جميعها مرتكزات أساسية لبناء مستقبل أكثر أمناً وعدالة.