إن أعظم ما تملكه الأوطان من ثروات هو الإنسان بما أودع الله تعالى فيه من طاقات وقدرات ومواهب، فهو الذي يحول الموارد إلى منجزات، والأفكار إلى مشروعات، والطموحات إلى واقع مشرق، وكلما أحسنت الدول اكتشاف مواهب أبنائها ورعايتها وتمكينها ازدادت قوة وتنافسية وازدهاراً، فالموهبة الوطنية رأس مال متجدد، وثروة تنمو بالعلم والتدريب والخبرة، وتتجلى آثارها حين تجد البيئة التي تحتضنها، والفرصة التي تطلق طاقاتها، والثقة التي تدفعها إلى الإبداع والتميز.

وقد أدركت دولة الإمارات مبكراً هذه الحقيقة، فجعلت الاستثمار في الإنسان محوراً أساسياً في مسيرتها التنموية، وفتحت أمام أبناء الوطن ميادين العلم والعمل والابتكار، وهيأت لهم الفرص في القطاعات المختلفة، حتى أصبحت الكفاءات الوطنية حاضرة في شتى الميادين، من الاقتصاد والطب والإعلام والصناعة وريادة الأعمال وغيرها، وصولاً إلى علوم الفضاء والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ليبرهن أبناء الإمارات في كل ميدان على أن الثقة حين تقترن بالتأهيل والعمل الجاد تثمر إنجازاً يرفع الوطن ويرسخ مكانته.

وهنا تبرز المسؤولية الكبرى للأسرة والمدرسة في اكتشاف الموهبة ورعايتها منذ المراحل الأولى من حياة الإنسان، فكثير من القدرات تظهر مبكراً في صورة ميول واهتمامات وسلوكيات متكررة تستحق الانتباه، فقد يكون الطفل كثير السؤال والاستكشاف، أو مولعاً بالتجارب، أو شغوفاً بالقراءة، أو متميزاً في الأرقام والبرمجة والرسم والخطابة والرياضة، ومثل هذه الميول قد تكون بداية موهبة واعدة إذا وجدت من يلحظها ويفهمها ويوجهها التوجيه الصحيح، ومن هنا تأتي أهمية البيئة الداعمة التي تمنح الطفل فرصة للتجربة، وتشجعه على الاستمرار، وتساعده على تطوير قدراته، فكلمة صادقة من أب، أو ملاحظة واعية من معلم، أو فرصة مناسبة في الوقت المناسب، قد تكون بداية طريق طويل من التميز والإبداع.

ومن هنا فإن رعاية الموهبة تبدأ بالاكتشاف الصحيح، ثم التوجيه والتأهيل، وإتاحة المجال للتجربة والمشاركة، وعدم تقييد الأبناء بقوالب محددة أو قياس نجاح الجميع بمقياس واحد، فالقدرات البشرية متنوعة، وهذه حكمة من حكم الله تعالى في خلقه، والمجتمع الناجح هو الذي يستثمر هذا التنوع، ويعرف كيف يضع كل طاقة في موضعها المناسب، فتتكامل المواهب كما تتكامل أعضاء الجسد، ويصبح اختلاف القدرات مصدر قوة وثراء.

كما تقع على المؤسسات مسؤولية كبيرة في صناعة البيئة الحاضنة للمواهب الوطنية، من خلال التدريب النوعي، والإرشاد المهني، ومنح الشباب مسؤوليات حقيقية، وفتح الأبواب أمام أفكارهم ومبادراتهم، وربطهم بالخبراء وأصحاب التجارب، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في المشروعات الكبرى، فالموهبة تزداد نضجاً بالممارسة، والخبرة تُصقل المعرفة، والمسؤولية تبني الشخصية، والثقة تصنع أجيالاً قادرة على اتخاذ القرار وتحمل أمانة المستقبل.

والمسؤولية تقع كذلك على أصحاب المواهب أنفسهم، فالموهبة بداية الطريق، والعمل الدؤوب هو الذي يحمل صاحبها إلى غايات التميز، والعالم اليوم سريع التحول، والمعارف والمهارات تتجدد بوتيرة متسارعة، ومن يتوقف عن التعلم يتجاوزه الزمن مهما بلغت موهبته، ولذلك يحتاج شبابنا إلى التعلم المستمر والانضباط والمثابرة والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وإتقان المهارات المستقبلية، والاستزادة من الخبرات، مع التمسك بالقيم الوطنية والأخلاقية التي تجعل الموهبة طاقة إيجابية لخدمة المجتمع والوطن.

ولعل من أجمل ما يميز الموهبة الوطنية أن ثمرتها تتجاوز صاحبها إلى وطن بأكمله ومجتمع بأسره، فالعالم الإماراتي الذي يبتكر، والطبيب الذي يعالج بكل إتقان، والمهندس الذي يبدع، والمعلم الذي يُنشئ الأجيال، ورائد الأعمال الذي يبني المشاريع، والإعلامي الذي يقدم أجمل صورة عن وطنه، والرياضي الذي يرفع علم دولته، كل واحد منهم يضيف إلى صرح الوطن لبنات مضيئة، ويصنع صورة مشرقة لأبناء الإمارات، وقدوات ملهمة للأجيال، وهكذا تتحول النجاحات الفردية إلى رصيد وطني متراكم.

إن المواهب الوطنية ثروة الأوطان، والاستثمار فيها استثمار في قوة الدولة واقتصادها ومعرفتها ومستقبلها، وكل موهبة نكتشفها ونرعاها اليوم قد تثمر إنجازاً كبيراً في الغد، ومن هنا فإن بناء منظومة متكاملة لاكتشاف قدرات أبناء الوطن وتنميتها وتمكينها مسؤولية مشتركة، تتضافر فيها جهود الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات وسوق العمل، ويتحمل فيها الموهوب مسؤوليته، ويتحلى بالجد والاجتهاد والمثابرة، حتى تبقى سواعد أبناء الإمارات وعقولهم المبدعة شعلة وقادة، يواصل الوطن بها صعوده إلى قمم التقدم والتميز والازدهار.