سيبقى الكتاب على الرف طويلاً في عصر الذكاء الاصطناعي. قد تبدو هذه العبارة قاسية على عشاق القراءة، لكنها تعكس تحولاً حقيقياً يحدث أمامنا في الطريقة التي يحصل بها الإنسان على المعرفة.
لسنوات طويلة، كان الكتاب أحد أهم أبواب المعرفة. نبحث عن موضوع، فنشتري كتاباً، ونقضي أياماً وربما أسابيع في قراءته، ونضع الخطوط تحت بعض فقراته، حتى نصل إلى المعلومة أو الفكرة التي نبحث عنها. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
مع محركات الذكاء الاصطناعي، تستطيع خلال دقائق أن تحصل على خلاصة موضوع كامل، ثم تطلب شرح نقطة محددة، ومقارنتها بوجهة نظر أخرى، وتحليلها، وتبسيطها، والبحث عن الاعتراضات عليها. تستطيع أن تسأل مرة ومرتين وعشر مرات، وأن تنتقل من فكرة إلى أخرى بسرعة كان الوصول إليها سابقاً يتطلب قراءة عدة كتب.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يقتل الذكاء الاصطناعي الكتاب؟
أعتقد أن كتب المعرفة والمعلومات ستكون الأكثر تأثراً. لماذا أقرأ مئات الصفحات بحثاً عن معرفة محددة، في حين يمكنني الوصول إليها بسرعة، ثم مناقشتها والتوسع فيها وفق حاجتي؟ الإنسان بطبيعته يبحث عن الطريق الأسرع، والذكاء الاصطناعي اختصر المسافة بين السؤال والجواب بصورة غير مسبوقة.
وقد لا يبقى من الكتاب، بشكله التقليدي، إلا ما لا يستطيع الاختصار أن يعوضه؛ وفي مقدمة ذلك الرواية والأدب. فالرواية لا نقرؤها للوصول إلى معلومة في الصفحة الأخيرة، بل نقرؤها لنعيش الرحلة نفسها. نستمتع باللغة، ونرافق الشخصيات، وننتظر الأحداث، ونعيش مشاعر الكاتب وخياله. يمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي تلخيص رواية في دقيقتين، لكنك بذلك تعرف القصة ولا تكون قد عشتها.
لكن القضية أكبر من مستقبل الكتاب؛ إنها تتعلق بمستقبل المعرفة نفسها.
ومن هنا نفهم أهمية استشراف المستقبل. فعندما أدخلت الإمارات الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية، لم تكن تضيف مجرد مادة جديدة إلى جدول الطالب، بل كانت تستعد لعالم تتغير فيه طريقة التعلم والعمل والتفكير والوصول إلى المعرفة.
فالاستعداد للمستقبل لا يعني أن ننتظر حتى يصل المستقبل ثم نحاول التأقلم معه، وإنما أن نبدأ من اليوم في إعداد الإنسان القادر على العيش فيه وصناعته.
طفل اليوم لن يعيش في عالم يعاني نقص المعلومات، بل في عالم يعاني فائضها. ولن تكون ميزته الأساسية في مقدار ما يستطيع حفظه، لأن الآلة ستتفوق عليه في ذلك، وإنما في قدرته على طرح السؤال الصحيح، والبحث، والتحقق، والمقارنة، والتحليل، ثم تحويل المعرفة إلى فكرة وقرار وإبداع.
وهنا تكمن أهمية أن نعلم أبناءنا أدوات عصرهم المقبل، لا أن نكتفي بتعليمهم أدوات عصرنا الحالي.
لا أعتقد أن الكتاب سيختفي تماماً، فالوسائل المعرفية نادراً ما تموت كلياً، لكنها تفقد أحياناً موقعها ووظيفتها القديمة. وكما غيّرت الإنترنت علاقتنا بالموسوعة والصحيفة، سيغير الذكاء الاصطناعي علاقتنا بالكتاب.
فالذكاء الاصطناعي قد يمنحك معرفة كتاب في دقائق، لكنه لن يمنحك دائماً تجربة قراءة الكتاب.
لذلك، قد لا يكون السؤال: هل سيموت الكتاب؟
بل السؤال الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي هو:
ما الذي سيجعلنا نمد أيدينا إلى الرف ونختار الكتاب؟