قبل أيام، وفي حلقة من برنامج «قابل للنقاش»، سجلتها من قمة الإعلام العربي في دبي، دار نقاش مع أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في مصر، حول شكل النظام الدولي الذي يتكون أمامنا.

كان تشخيصه أن العالم يعيش منذ عام 1991 مرحلة انتقالية ممتدة، ترتفع فيها درجة اللا يقين، مع صعود قوى جديدة، واتساع المنافسة على النفوذ، ووصف المواجهة الأمريكية الصينية بأنها «حرب باردة ثانية»، تتحرك عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والدبلوماسية، داخل منظومة عالمية شديدة الترابط.

هذا الأسبوع ينتقل السؤال نفسه إلى نيويورك، حيث تنعقد الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول».

وكان لافتاً أن رئيس الجمعية خليل الرحمن، استهل ولايته بالتأكيد أن الثقة في المؤسسة الدولية تبنى بالقرارات والالتزامات والنتائج، وأن التعددية الأممية تواجه تحديات عميقة، داعياً إلى جعل الأمم المتحدة «مهيأة للمستقبل».

بعد 8 عقود من تأسيس المنظمة، تأتي هذه الدعوة في لحظة تتغير فيها طبيعة القوة، وتتعدد ساحات الصراع، وتتسارع التحولات بصورة تضع قدرة النظام الدولي على مواكبتها تحت ضغط متزايد.

الحرب الروسية الأوكرانية دخلت عامها الخامس، وأوروبا تعيد بناء قدراتها الدفاعية، وترفع إنفاقها العسكري، وتبحث عن مساحة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

فيما تستمر المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتتعرض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لضغوط حادة، بالتوازي مع صراعات تمتد آثارها إلى الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد..

واتسعت أدوات القوة نفسها، من الجيوش والصواريخ، إلى المسيرات والرقائق، ومراكز البيانات والمعادن والممرات والبنية الرقمية.

هذه الصورة تستدعي الثلاثينيات من القرن الماضي، فالسنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، شهدت تراجع فاعلية المؤسسات الدولية، وتصاعد إعادة التسلح، واتساع النزاعات الإقليمية، ثم بدأت أزمات بدت منفصلة ترتبط تدريجياً بميزان قوة واحد..

عالم اليوم مختلف في أدواته وتوازناته، فيما يرفع تراكم بؤر المواجهة واتساع سباق التسلح، ودخول التكنولوجيا والطاقة والممرات إلى قلب الصراع، كلفة أي خطأ في الحسابات، ويزيد قدرة أزمة محلية على إنتاج تداعيات عالمية. أمام هذا المشهد، طرح أحمد المسلماني فكرة «عدم الانحياز الجديد».

حيث تستطيع الدولة أن تلتقي مصالحها مع الولايات المتحدة في مجموعة من الملفات، ومع الصين في ملفات أخرى، وأن تبني علاقاتها وفق شبكة مصالح متنوعة، تمنحها مساحة أوسع لصناعة خياراتها..

هذه المقاربة تعكس عالماً أصبحت فيه المصالح أكثر تشابكاً من خرائط المعسكرات التي حكمت الحرب الباردة الأولى.

هذه الفكرة تلتقط تحولاً يجري بالفعل في بنية العلاقات الدولية، عدم الانحياز في القرن الماضي نشأ في ظل كتلتين واضحتين، وصيغته الجديدة تتشكل في عالم تتوزع فيه مصادر القوة بين الأمن والتجارة والطاقة والتكنولوجيا ورأس المال، وتصبح فيه الشراكات متعددة الاتجاهات جزءاً من حماية القرار الوطني، فالدولة تستطيع أن تبني تحالفاتها الأمنية في اتجاه، وأسواقها التجارية في اتجاه آخر.

واستثماراتها وشراكاتها التكنولوجية عبر شبكة أوسع من القوى والمراكز. التحدي أمام الأمم المتحدة اليوم، أصبح أوسع من إدارة الحروب المدرجة على جدول أعمالها، الأحداث تتحرك بسرعة أكبر، وتتداخل ساحاتها بصورة أعمق، وتتحول أزمة أمنية إلى أزمة طاقة.

وقرار تكنولوجي إلى أداة جيوسياسية، وصراع إقليمي إلى اختبار لسلاسل الإمداد العالمية، والمؤسسة التي صممت لإدارة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، تواجه عالماً تتغير فيه طبيعة القوة، وحدود التحالفات، وإيقاع الأزمات في الوقت نفسه.

العالم الجديد يتشكل بالفعل في الوقائع قبل أن تكتمل قواعده، بينما يحمل جزء من العقل السياسي خرائط المعسكرات ومناطق النفوذ التي صنعت القرن الماضي..

وهنا تكمن فجوة المرحلة: أدوات القوة تغيرت بسرعة مذهلة، والحروب اتسعت ساحاتها، والتحالفات أصبحت أكثر مرونة، فيما يحاول العقل السياسي العالمي اللحاق بعالم سبق قواعده.