بكلمات مؤثرة، نعى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، أخاه المغفور له، الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، قائلاً: «رحمك الله يا أخي، حللت عند رب كريم عظيم، تغيب عن أعيننا، ولا تغيب عن دعائنا وقلوبنا يا أحمد».

هذه الكلمات الصادقة لا تعبّر عن حزن أخ على فراق أخيه فقط، وإنما تختصر علاقة عمر ومسيرة مشتركة، وتكشف مقدار ما كان يمثله الراحل في أسرته ووطنه.

فقد كان أحد أبناء مدرسة المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، تلك المدرسة التي آمنت بأن بناء الأوطان إنما يتحقق بالعمل المخلص، والرؤية البعيدة، وتحمّل المسؤولية، لا بالأماني.

حين يرحل الرجال الذين أسهموا في بناء الوطن، تتحول سيرتهم إلى صفحات مضيئة في كتاب الوطن، وإلى أثر يبقى شاهداً على ما قدموه من عمل وعطاء وإخلاص، فلا تصبح السيرة مجرد تواريخ ومناصب تُستعاد في لحظة وداع.

وقد ودعت الإمارات المغفور له، الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي انتقل إلى جوار ربه، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في ميادين العمل الوطني، والأمني، والعسكري، والرياضي، والاقتصادي.

وحين ترحل شخصية لها كل هذه الأبعاد الكبيرة والمتعددة، تصبح الكتابة عنها بحجم الألم الذي يتركه رحيلها، لذلك، فإن القلم يعجز عن ذكر مآثر الشيخ أحمد، عليه رحمة الله، وتصبح الكتابة عنه إبحاراً لا يقل صعوبة عن الرحيل المؤلم.

انخرط الشيخ أحمد بن راشد، عليه رحمة الله، في خدمة وطنه، بعد تخرجه في أكاديمية ساندهيرست الملكية البريطانية، من خلال المنطقة العسكرية الوسطى في دبي، فأسهم في تطويرها، ورفع مستوى جاهزيتها. كما شغل منصب نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي.

فكان جزءاً من مرحلة مهمة، شهدت فيها أجهزة الأمن تطوراً مؤسسياً كبيراً، تزامن مع اتساع مدينة دبي، وتسارع نموها، وازدياد مسؤولياتها.

كان الأمن في رؤيته ركناً أساسياً من أركان التنمية. فلا اقتصاد يزدهر من دون استقرار، ولا مجتمع يمضي إلى المستقبل من دون شعور أفراده بالطمأنينة.

ومن هنا، تأتي أهمية إسهامه في العمل الأمني والعسكري، بوصفه خدمة وطنية لا تتوقف عند حدود المؤسسة، وإنما تمتد آثارها إلى حياة الناس، ومسيرة المجتمع كله.

وفي ميدان الرياضة، ارتبط اسم الشيخ أحمد بن راشد، عليه رحمة الله، بنادي الوصل، الذي أسسه وتولى رئاسته سنوات طويلة، وظل داعماً له، وقريباً من جماهيره ولاعبيه.

وأصبح النادي في ظل رعايته له مؤسسة اجتماعية وتربوية تجمع الشباب، وتنمي فيهم روح الانتماء والمنافسة والعمل الجماعي، أكثر من كونه مجرد صريح رياضي يسعى إلى الفوز والمنافسة.

لهذا أصبح الوصل واحداً من أبرز الأندية الإماراتية وأكثرها حضوراً وشعبية، وحقق خلال مسيرته العديد من البطولات والإنجازات.

وامتد اهتمامه الرياضي، عليه رحمة الله، إلى الرياضات البحرية، فكان من الشخصيات التي أسهمت في تأسيس وإطلاق نادي دبي الدولي للرياضات البحرية، وتولى رئاسته الأولى عام 1988.

وقد أدى النادي دوراً مهماً في تنظيم الرياضات البحرية وتطويرها، وربطها بتراث أبناء الإمارات، الذين ارتبطت حياتهم بالبحر، وجعل من دبي محطة معروفة في خريطة البطولات البحرية الإقليمية والدولية.

أما الخيل، فكانت للشيخ أحمد بن راشد معها قصة شغف طويلة. فقد أنشأ مضمار جبل علي لسباقات الخيل، وأسهم في ترسيخ حضور هذه الرياضة الأصيلة في الإمارات، ودعم تطوير أنظمتها وقواعدها.

كما حققت خيوله انتصارات كبيرة في ميادين السباق العالمية، ورفعت اسم الإمارات في بطولات مرموقة. لم تكن الفروسية عنده هواية شخصية فقط، وإنما امتداداً لتراث عربي أصيل، ومجالاً لإبراز قدرة الإمارات على المنافسة وصناعة الإنجاز.

وإلى جانب ذلك، كانت له، عليه رحمة الله، إسهامات في قطاعات الاستثمار والعقار، من خلال مركز دبي العقاري، ومجموعة «إيه آر إم» القابضة، بما دعم حركة التنمية الاقتصادية والعمرانية في دبي، وعكس فهمه للدور الذي يؤديه القطاع الخاص في خدمة الاقتصاد الوطني، وصناعة فرص النمو.

برحيل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، عليه رحمة الله، تفقد الإمارات واحداً من رجال جيل التأسيس والبناء، ذلك الجيل الذي عمل وترك إنجازاته تتحدث عنه. وسيبقى اسمه خالداً في ذاكرة الوطن الذي أحبه وأخلص له.