هناك رجال يرحلون بصمت. كنت تراهم وتلمح أشخاصهم وتعرف ملامحهم، وتقف أمام تلك الملامح تتأملها أحياناً وتقرؤها أحياناً، ثم تترك في نفسك أثراً لا تعرف كنهه، إلا أنه أثر طيب، كنسيم يمر بروحك مروراً جميلاً ثم يغادرك، ويعاودك بين فترة وأخرى.
بغض النظر عن كنه تلك الملامح أو هويتها، فكل ما يمكن أن يتفق عليه أنها ملامح جميلة، ملامح نفسية تبقى في الذاكرة ولا تغادرها، لأنها ريح طيبة، وصور إنسانية جميلة، كلما ذكرت فإنها تُذكر بلطف.
ومن أولئك الراحل الجليل المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الذي سكن ذاكرة دبي وأهلها، وكثير من أهل الإمارات، الذين رأوا فيه ذلك الواقف عن بعد أو عن كثب، يرمق الحياة بعين متأملة.
ليس بمنعزل عنها، لكنه دخلها دخولاً هادئاً أنيقاً، وتلونت فيها مشاركاته وعطاءاته، فكانت عسكرية وإدارية واقتصادية ورياضية، وكان في كلها جديراً بمكانه.
إن الراحل الجليل من أولئك الرجال الذين من النادر أن تتكرر سماتهم. هو ذلك السابق الذي تراه بعيداً يرقب الحياة والناس عن كثب وكأنه لا شأن له بها، لكنه في الحقيقة أحد الرجال الذين بنوا وأعطوا وعملوا وأنجزوا، لكن بهدوء، فهو أعرف بنفسه، وأعماله ترجمة لتلك الروح الوطنية حتى النخاع، المحبة لهذا البلد وأرضه وأهله حباً جماً.
إنها شخصية من الصعب أن توصف، لأنها لم تكن تعلن عن نفسها كثيراً، فهي تبقى بعيدة عن الأعين، قريبة من القلوب، تنقش كما ينقش الماء على الصخر.
مشى فوق التراب بكل رفقٍ
وعاش العمر نقي السريره
فما غرته دنيا أو مقام
ولا ضاقت به النفس البصيره
مضى عنا وأبقى فينا ذكراً
كأنفاس الرياحين العبيره
يموت المرء والتواضع حي
يضيء له مقاماً في الآخره
وختاماً... إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اجعل قبر المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم روضة من رياض الجنة، واجزه عن وطنه وشعبه خير الجزاء، وارفع درجته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
*رحمك الله يا شيخ أحمد وستبقى ذكراك عبيراً لا يذبل في ذاكرة الوطن*