ليست كل المدن متشابهة. هناك مدن تنتظر أن يصلها الجديد، ومدن تبحث عنه، ومدن تسعى إلى صناعته. أما دبي، فأعتقد أنها تقدم نموذجاً مختلفاً يمكن وصفه بـ«المدينة الفضولية».

ولا أقصد الفضول بمعناه التقليدي، بل ذلك الفضول المعرفي والمؤسسي، الذي لا يكتفي بما يعرف، ولا يطمئن طويلاً إلى ما نجح، ولا يتوقف عن السؤال: ماذا بعد؟

هذا النوع من الفضول ليس هواية، بل قدرة مؤسسية. يبدأ بالسؤال، ويتحول إلى تجربة، ثم إلى تعلّم، فقرار، ثم أثر.

فالمدينة الفضولية لا تسأل فقط: ماذا يحدث في العالم اليوم؟ بل: ماذا سيحدث غداً؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟ وكيف نستعد له قبل أن يصبح واقعاً يفرض نفسه علينا؟

وربما هنا يكمن أحد أسرار سرعة دبي.

لقد كانت من المدن المبكرة في استكشاف الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والحكومة الذكية، والتقنيات الناشئة. لكنها لم تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها غاية أو مظهراً من مظاهر الحداثة، بل باعتبارها مساحة للتجربة والتعلّم وإعادة تصميم ما اعتدنا عليه.

فالقيمة الحقيقية ليست في أن تكون أول من يستخدم تقنية جديدة، بل في أن تكون من أوائل من يفهم ماذا يمكن أن تغيّر هذه التقنية، وماذا يجب أن يتغير معها.

وهنا يصبح الفضول جزءاً من القيادة.

فالمؤسسات التي تفقد فضولها تبدأ، من حيث لا تدري، في الدفاع عن نجاحاتها القديمة. تكرر ما نجح بالأمس، وتطمئن إلى خبرتها، حتى يأتي المستقبل بقواعد مختلفة.

أما المؤسسة الفضولية فلا تعتبر نجاح الأمس ضماناً لنجاح الغد، بل تسأل باستمرار: هل هناك طريقة أفضل؟ هل يمكن اختصار هذه الخطوة؟ ماذا يفعل الآخرون بصورة مختلفة؟ وماذا لو جرّبنا شيئاً لم نجربه من قبل؟

لهذا أرى أن أحد المبادئ العميقة في عقلية Dubai-it، هو أن سرعة التنفيذ تبدأ، في الحقيقة، من سرعة التعلّم.

فالفضول يولّد السؤال، والسؤال يفتح باب المعرفة، والمعرفة تقود إلى التجربة، والتجربة تنتج التعلم، والتعلم السريع يجعل التنفيذ أكثر ذكاءً.

إنها دائرة لا تتوقف: نسأل، نجرّب، نتعلّم، نطوّر، ثم نسأل من جديد. ولعل أجمل ما في هذه العقلية، أنها لا تفترض امتلاك جميع الإجابات.

فالمستقبل، بطبيعته، لا يمنح أحداً إجابات مكتملة. وما تحتاجه الحكومات والمؤسسات اليوم، ليس وهم اليقين، بل الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة، والمرونة لتغيير الإجابات عندما تتغير المعطيات.

لقد علمتني دبي أن الفضول ليس صفة شخصية فحسب؛ يمكن أن يصبح ثقافة مؤسسية، وأسلوب قيادة، وحتى ميزة تنافسية لمدينة بكاملها.

فالمدينة التي تتوقف عن السؤال تبدأ في التكرار، والمؤسسة التي تعتقد أنها عرفت كل شيء، تبدأ في الشيخوخة، والقائد الذي لا يعود فضولياً، يصبح أسير خبرته السابقة.

وفي عالم يتغير بهذه السرعة، ربما لم يعد التفوق لمن يعرف أكثر، بل لمن يتعلم أسرع.

دبي مدينة طموحة، نعم. لكن الطموح وحده لا يكفي.

فالطموح يخبرك إلى أين تريد أن تذهب، أما الفضول فيمنعك من الاعتقاد أن الطريق الذي تعرفه هو الطريق الوحيد.

ولهذا بقي طموح دبي متجدداً؛ لأنها كلما وصلت إلى إجابة، بدأت تبحث عن السؤال التالي.

وربما كان هذا الفضول... أحد أسرار دبي.

كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية