كبرنا ونحن نسمع قصة ليلى والذئب، تلك الحكاية التي كانت الأمهات والجدات يروينها للأطفال قبل النوم، ليس فقط للتسلية، بل لزرع رسالة بسيطة في عقولهم: لا تثق بالغريب، ولا تبتعد كثيراً عن الطريق، فهناك دائماً ذئب ينتظر في مكان ما.
كانت ليلى طفلة بريئة تحمل سلتها إلى بيت جدتها، وكان الذئب ماكراً يراقب خطواتها، ثم يسبقها إلى المنزل ويتنكر في هيئة الجدة. كانت الحكاية واضحة؛ هناك ضحية وهناك مفترس، وهناك خير وشر، ولا يحتاج الطفل إلى كثير من التفكير ليعرف مع من يقف.
لكن ماذا لو عاشت ليلى في زمننا؟
ربما كانت ستخرج من منزلها وهي تحمل هاتفاً ذكياً بدلاً من السلة، وتضع موقعها على الخريطة، وترسل إلى جدتها رسالة تخبرها بموعد الوصول. ولو ظهر الذئب في الطريق، فقد ترفع هاتفها وتصوره، وخلال دقائق يصبح الذئب حديث الناس.
لكن المشكلة أن ذئب اليوم تطور هو الآخر.
لم يعد مضطراً إلى ارتداء ثياب الجدة أو الاختباء خلف الأشجار. أصبح يمتلك حساباً في وسائل التواصل، وصورة شخصية أنيقة، وربما آلاف المتابعين. يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه حَمَلاً وديعاً، وأن يحدّث الناس طويلاً عن الأخلاق والفضيلة وحماية الضعفاء، بينما يخفي أنيابه خلف الشاشة.
والأغرب أن الذئب الحديث قد لا يكتفي بمهاجمة ليلى، بل ربما يسارع بعدها إلى كتابة منشور طويل يشرح فيه كيف اعتدت ليلى عليه، وكيف اضطر للدفاع عن نفسه، ثم يستعين ببعض الحسابات لإعادة نشر روايته، حتى تصبح أكثر انتشاراً من الحقيقة.
وهنا تكمن إحدى مشكلات عصرنا.
في الحكاية القديمة كان الجميع يعرف الذئب من أنيابه. أما اليوم فعلينا أن نفتش عن الحقيقة وسط آلاف الصور والمقاطع والتعليقات والحسابات الوهمية والروايات المتناقضة. قد نشاهد جميعاً المشهد نفسه، ثم نجد من يقول إن ليلى مذنبة، ومن يقول إن الذئب ضحية، ومن يشكك في الفيديو، ومن يؤكد أصلاً أن الغابة غير موجودة!
لقد تغيرت أدوات الحكاية، لكن الذئب لم ينقرض.
ففي حياتنا ذئاب كثيرة لا تسكن الغابات، ولا تمشي على أربع، ولا تظهر أنيابها. قد يكون الذئب شخصاً مخادعاً، أو خبراً كاذباً، أو فكرة متطرفة، أو محتالاً رقمياً، أو صاحب مصلحة يرتدي ثوب الفضيلة حتى يصل إلى غايته.
وفي المقابل تغيرت ليلى أيضاً.
لم تعد تلك الطفلة التي لا تملك سوى الصراخ وانتظار من ينقذها. ليلى اليوم تستطيع أن تتعلم وتتحقق وتوثق وتسأل وتبحث. المعرفة أصبحت سلاحها، والوعي أصبح حارسها، والهاتف الذي تحمله قد يكون نافذتها إلى الحقيقة، أو إذا غاب الوعي، طريقاً جديداً يصل الذئب من خلاله إليها.
وهذه ربما المفارقة الكبرى بين عالم الأمس وعالم اليوم؛ كنا نخشى على أطفالنا من الذئب الموجود في الغابة، أما اليوم فعلينا أن نخشى عليهم من الغابة الموجودة داخل هواتفهم. ففيها المعرفة والخير والجمال، ولكن فيها أيضاً التضليل والتنمر والتطرف والاحتيال والاستدراج.
لذلك لم يعد كافياً أن نقول لأبنائنا: «احذروا الذئب». الأهم أن نعلمهم كيف يتعرفون إليه عندما يتنكر، وكيف يسألون قبل أن يصدقوا، ويتحققون قبل أن ينشروا، ويفكرون قبل أن يتبعوا الآخرين.
فقصة ليلى والذئب لم تنتهِ، بل تغير مسرحها فقط.
ذئب الأمس كان يحتاج إلى أن يخدع ليلى حتى يدخل بيت الجدة، أما ذئب اليوم فقد لا يحتاج إلى كل ذلك.
يكفيه أحياناً أن تقبل ليلى طلب المتابعة.