لم يعد السؤال الأهم أمام الإعلام العربي: كيف نصل إلى الجمهور؟ فالوصول اليوم أسهل من أي وقت مضى؛ الخبر يعبر القارات في ثوانٍ، والمنصات وضعت أدوات النشر في يد الجميع، والذكاء الاصطناعي بات قادراً على إنتاج النص والصوت والصورة بسرعة غير مسبوقة. السؤال الأصعب هو: بماذا نصل إلى عقل الإنسان، وماذا نترك فيه بعد أن تنتهي الشاشة من عرض محتواها؟
من هنا أرى أن «قمة الإعلام العربي 2026» في دبي تتجاوز كونها تجمعاً مهنياً يناقش مستقبل الصناعة، لتفتح سؤالاً أعمق حول وظيفة الإعلام العربي في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والتقنية، وتتغير علاقة الإنسان بالمعلومة والحقيقة والرأي.
لقد انتقلنا من ندرة المعلومة إلى فائضها، ومن مؤسسات محدودة تصنع المحتوى إلى فضاء مفتوح يستطيع فيه كل فرد أن يكون منتجاً وناشراً ومؤثراً. ولم تعد المنافسة على الخبر وحده، وإنما على انتباه الإنسان؛ ذلك المورد المحدود الذي تتنافس عليه المؤسسات والمنصات والخوارزميات على مدار الساعة. وهنا تكمن المفارقة: فما يجذب الانتباه ليس بالضرورة ما يبني المعرفة، وما يحقق الانتشار ليس دائماً الأكثر قيمة.
لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الإعلام العربي لا يكمن في مواكبة الأدوات وحدها، وإنما في امتلاك الرؤية التي تديرها، والقيم التي تضبطها، والعقل المهني الذي يعرف لماذا يستخدمها وإلى أين يريد الوصول بها.
إن إعلام المستقبل مطالب بالانتقال من إدارة تدفق المعلومات إلى بناء جودة المعرفة؛ فلا يكتفي بإخبار الإنسان بما حدث، وإنما يساعده على فهم لماذا حدث، وما سياقه، وما الذي يعنيه له ولمجتمعه ومستقبل وطنه. فالخبر بلا سياق قد يزيد المعرفة بالمعلومة، لكنه لا يصنع بالضرورة وعياً بها.
وهنا تتقدم قضية حصانة الوعي. فالإنسان اليوم لا يتعرض فقط للمعلومة الصحيحة أو الخاطئة، وإنما للمحتوى المجتزأ، والعناوين المضللة، والصور المصنوعة، والتزييف العميق، والاستقطاب، وخوارزميات تتعلم اهتماماته ثم تعيد تشكيل ما يظهر أمامه. والتحصين في هذا العالم لا يتحقق بإغلاق النوافذ، وإنما ببناء عقل قادر على فتحها دون أن يفقد قدرته على الاختيار؛ عقل يسأل عن المصدر، ويتحقق قبل أن يشارك، ويميز بين الخبر والرأي، وبين الدليل والانطباع، وبين المعرفة والمحتوى المصمم لاستثارة العاطفة.
وهذه ليست مسؤولية الإعلام وحده، وإنما مسؤولية تتكامل فيها الأسرة والتعليم والثقافة ومؤسسات المجتمع. غير أن الإعلام يبقى في قلب هذه المنظومة؛ لأنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، وقادر إما على توسيع مساحة المعرفة والحوار، أو ترك المجال للضجيج والاستقطاب والمعلومات المضللة.
ولا ينبغي أن تكون وظيفة الإعلام دفاعية فقط، تلاحق الشائعات والتطرف والتضليل بل تكون استباقية ذكية قبل ذلك. نحن بحاجة إلى إعلام يبني ويحصّن؛ يجعل العلم والابتكار والثقافة والاقتصاد وقصص النجاح جزءاً من الوعي المجتمعي، ويعزز الهوية والمسؤولية الوطنية وقيم التسامح والتعايش، ويمنح الشباب مساحة ليكونوا شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد مستهلكين للمحتوى.
وتزداد هذه المسؤولية مع الذكاء الاصطناعي. فالسؤال لم يعد: هل سيستخدم الإعلام هذه التقنية؟ بل: كيف سيستخدمها؟ هل تصبح أداة لزيادة سرعة الإنتاج وملاحقة المشاهدات، أم قوة لتحليل البيانات والتحقق وفهم الجمهور وتطوير المحتوى؟ وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى مقنع خلال ثوانٍ، ستصبح الثقة البشرية والمصداقية المهنية أكثر قيمة، لا أقل. فالتقنية تستطيع مضاعفة القدرة، لكنها لا تمنح الإنسان الضمير المهني، ولا تتحمل عنه مسؤولية الحقيقة.
ويحتاج الإعلام العربي كذلك إلى الانتقال من استهلاك السرديات إلى بناء سردية حضارية عربية تقدم منطقتنا إلى العالم بلغته المعاصرة؛ سردية لا تنكر التحديات ولا تضخم الإنجازات دون مسؤولية، وإنما تمتلك الثقة والقدرة المهنية على تقديم مجتمعات تتحول، واقتصادات تتطور، وتجارب في الابتكار والتنمية والثقافة والتعايش تستحق أن تصل إلى العالم.
وهنا تبرز أهمية السيادة المعرفية؛ أي أن يمتلك المجتمع القدرة على تكوين فهمه للأحداث من خلال معرفة موثوقة ومتعددة المصادر التي تتسم بالمصداقية، وألا يصبح وعيه أسيراً لخوارزمية أو إشاعة أو سردية مفروضة عليه. وهي لا تعني الانغلاق عن العالم، وإنما امتلاك العقل الذي يتفاعل معه بثقة ووعي وقدرة على التمييز.
ومن دولة الإمارات وتحديداً دبي، التي تجمع عبر قمة الإعلام العربي آلاف الإعلاميين وصنّاع المحتوى والخبراء والقيادات، تبدو الرسالة أبعد من حدث يمتد أياماً. فمدينة جعلت الإعلام والتكنولوجيا والاقتصاد الإبداعي والتنوع الثقافي أجزاءً من رؤيتها للمستقبل، تطرح اليوم سؤالاً عربياً يستحق التفكير: أي إعلام نريد للأجيال المقبلة؟
نحتاج إلى إعلام تكون المصداقية أساسه، والمعرفة رسالته، والتقنية أداته، والهوية بوصلته، والإبداع لغته، والإنسان غايته. فازدهار الأوطان لا تصنعه الاقتصادات والتكنولوجيا وحدهما؛ بل يحتاج إلى إنسان يفهم التحولات، ويميز الفرص من المخاطر، ويعتز بهويته، ويعزز ولاءه وانتماءه إلى وطنه وقيادته، ويمارس مسؤوليته بوعي، ويشارك في صناعة مستقبل وطنه. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الإعلام العربي ليس من يسبق إلى الخبر، وإنما من ينجح في بناء الإنسان القادر على فهمه.