إشعار على هاتف العمل.. يفتح الرسالة: «يرجى مراجعة الملف وإرسال التقرير فوراً». في لحظة واحدة، يتغير كل شيء، ويتحول ذهنه من دفء أسرته إلى ضغط العمل.. لم تكن الرسالة مجرد كلمات على شاشة، بل استدعاء ذهنياً أعاده إلى العمل في العاشرة مساءً.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وحين يصبح التوفر المستمر معياراً غير مكتوب للالتزام، فيشعر الموظف أن عدم الرد الفوري قد يفسر على أنه تقصير.
فقد خلصت مراجعة منهجية نُشرت عام 2023 وتناولت 159 دراسة عن الانفصال النفسي عن العمل، إلى أنه يمثل تجربة تعافٍ مهمة ترتبط بصحة الموظف ورفاهه وأدائه. وفي مراجعة نطاقية نشرت عام 2024.
وشملت 23 دراسة في 9 دول، أظهرت 19 دراسة، أي 83% منها، ارتباطاً بين استخدام الهاتف لأغراض العمل خارج ساعات الدوام وارتفاع الصراع بين العمل والحياة.. فالعمل الذي يصل إلى هاتف الموظف لا يصل إليه وحده..
فقد يمتد أثره إلى مائدة العشاء، وحديث الزوجين، ووقت الأبناء، وإلى الساعات التي يفترض أن يستعيد فيها الإنسان طاقته ليوم جديد.
فجودة حياة الموظف لا تُبنى بالمبادرات وحدها، بل بما تفعله القيادة في الممارسة اليومية، وحين يصبح كل شيء عاجلاً، تفقد كلمة عاجل معناها..
وقد يكون أخطر ما في هذه الثقافة أنها تعيد تعريف الالتزام، فيصبح الموظف الذي يرد خلال دقائق أكثر التزاماً في نظر البعض من الموظف الذي يبدأ صباحه بهدوء وينجز أعماله بجودة.
لكن إذا كانت الثقافة تكافئ سرعة الاستجابة، فسيفهم الموظف الرسالة باعتبارها تكليفاً مهما كانت صياغتها.. لذلك لا تحتاج المؤسسة بالضرورة إلى منع التواصل بعد الدوام، وإنما إلى حوكمته..
وقبل أن يضغط المدير زر الإرسال، يكفي أن يسأل نفسه: هل الأمر عاجل فعلاً؟.. هل يمكن أن ينتظر إلى الغد؟.. وهل سيفهم الموظف رسالتي كتواصل أم تكليف؟
فالقيادة لا تُقاس بقدرة المدير على الوصول إلى موظفيه في كل وقت، وإنما بقدرته على بناء فريق يعرف ما عليه فعله، ويملك مساحة كافية ليفكر ويستريح ويعود إلى عمله بكفاءة.
وربما لا تكون القيادة الحقيقية في أن يكون المدير قادراً على الوصول إلى موظفيه في أي وقت، بل في أن يعرف متى لا يحتاج إلى ذلك.. فليس كل ما تستطيع إرساله، يستحق أن ترسله الآن.