تعودنا أن نقضي جزءاً كبيراً من يومنا في العمل، نحمل مسؤولياته ونلاحق تفاصيله بشكل متواصل حتى داخل بيوتنا، ولكننا لا ندخل إلى مكاتبنا منفصلين عن حياتنا.

فخلف كل واحد منا أسرة ومسؤوليات لا تتوقف عند بداية ساعات الدوام، ولا تنتظر نهايتها، ليصبح التوازن بين الحياة المهنية والأسرية أكثر من مجرد تنظيم للوقت، فهو جزء أساسي من جودة حياتنا واستقرارنا وقدرتنا على العطاء.

وهذا التوازن يكتسب أهمية كبرى حين تكون المسؤوليات الأسرية أكثر حساسية. كما هي الحال لدى آباء وأمهات يعيشون يومياً بين متطلبات العمل ومواعيد أبنائهم واحتياجاتهم التعليمية والتأهيلية والاجتماعية، فهؤلاء لا يبحثون بالضرورة عن امتيازات إضافية بقدر حاجتهم إلى بيئة تتفهم ظروفهم، وتمنحهم المرونة التي تساعدهم على أداء أدوارهم المختلفة من دون أن يؤثر أحدها في حساب الآخر.

وهذا الفهم يشكل جانباً مهماً من اهتمام قيادتنا الرشيدة بالمجتمع، فدعم الأسرة لا يتوقف عند ما يُقدَّم لها من خدمات اجتماعية مباشرة، بل يمتد إلى الظروف المحيطة بأفرادها، وفي مقدمتها بيئة العمل التي تغيرت كثيراً، وأصبحت أكثر اهتماماً باحتياجات الموظف وظروفه.

فحين يجد التفهم والمرونة في مؤسسته، يعود إلى أسرته بقدر أقل من الضغوط، ويصبح أكثر قدرة على الحضور معها، وفي المقابل، فإن استقراره الأسري ينعكس على أدائه وتركيزه وقدرته على الإنتاج. وهكذا تصبح العلاقة بين الأسرة والعمل متبادلة.

وقد انعكس هذا التوجه في العديد من السياسات والمبادرات الحكومية التي تضع الإنسان والأسرة في قلب التنمية، إيماناً بأن المجتمع المتوازن لا تصنعه الخدمات الاجتماعية وحدها، وإنما تسهم في بنائه أيضاً مؤسسات تدرك أن الموظف في مكتبه هو نفسه الأب أو الأم أو الابن حين يعود إلى منزله، وما نقدمه له من دعم يعينه على النجاح في حياته، ويمتد أثره إلى أسرة أكثر تماسكاً، ومؤسسة مستقرة، ومجتمع أكثر ازدهاراً.

مسار:

نجاح المؤسسة يُقاس بقدرتها على بناء بيئة يشعر فيها الإنسان بأنه مفهوم ومقدّر.