أعمل في دبي منذ أكثر من عامين، وما زلت أتذكر أول مرة صعدت فيها إلى برج خليفة. وبينما كنت أتأمل المدينة من أعلى، حضرت في ذهني مدينة أخرى تبعد آلاف الكيلومترات: شنتشن.

قبل أربعة أو خمسة عقود، لم تكن دبي ولا شنتشن مدينتين بارزتين، كانت شنتشن قرية صيد صغيرة على حدود جنوب الصين، بينما اعتمدت دبي على صيد اللؤلؤ والتجارة والميناء. وخلال عقود قليلة، أصبحت شنتشن مركزاً عالمياً للابتكار والتكنولوجيا، وتحولت دبي إلى مدينة دولية تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا. ورغم اختلاف مساريهما، فقد حققتا معجزتين تنمويتين لافتتين، قوامهما الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

في عالم شهد أزمات مالية وجائحة كوفيد 19 وصراعات إقليمية واضطرابات في سلاسل الإمداد، واجهت دول كثيرة ركوداً أو اضطرابات طويلة. أما الصين والإمارات فقد حققتا تنمية متسارعة.

فالصين رسخت مكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأقامت أكثر منظومة صناعية تكاملاً، وكانت محركاً رئيسياً للنمو العالمي. والإمارات نجحت في تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، وأصبحت مركزاً إقليمياً للمال والتجارة والطيران والخدمات اللوجستية والابتكار. وخلال عقود قليلة، أنجز البلدان ما استغرق غيرهما أزمنة أطول لتحقيقه.

كثيراً ما يسألني من يزور دبي للمرة الأولى: كيف حققت الصين والإمارات هذا النجاح رغم اختلاف الثقافة والنظام الاجتماعي والموارد؟ وأرى أن السر يكمن في مجموعة من المبادئ المشتركة:

حيث تتمسك الدولتان معاً بجعل رفاه الشعب وتحسين جودة حياته الغاية الأساسية للتنمية، وتتحليان برؤية استراتيجية راسخة تتطلع إلى المستقبل، وتمضيان بعزم في مسيرة الإصلاح والانفتاح على العالم.

كما توليان سيادة القانون والارتقاء بقدرات الحوكمة بالغ الأهمية، وتتحليان بروح عملية ونهج فعال في العمل والإنجاز، وتعتزان بـالتاريخ والثقافة، وتصونان جذور الحضارة وتواصلان مسيرة إرثها العريق. وفي الوقت ذاته، تتمسكان بنهج التنمية السلمية والانفتاح والتعاون، وتسعيان إلى تقاسم فرص التنمية مع مختلف دول العالم، بما يحقق مستقبلاً أكثر ازدهاراً للجميع.

وتنسجم هذه المبادئ مع خبرة البلدين في التحديث، كما تتوافق مع المبادرات العالمية الرئيسية التي طرحتها الصين: مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الأمن العالمي، ومع مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، بما يقدم مرجعاً للدول الساعية إلى مسارات تنموية تناسب ظروفها الوطنية.

من شنتشن إلى دبي، قد لا تكون هناك وصفة واحدة ثابتة أو نموذج موحد للتحديث والحداثة يصلح لكل البلدان والمجتمعات، غير أن مسارات التنمية الناجحة، على اختلاف تجاربها، لا بد أن تتقاطع عند مجموعة من القواعد والقواسم المشتركة.

وانطلاقاً من هذا المقال، أود أن أشارككم، مستندة إلى ما عايشته عن قرب خلال عملي وحياتي في دبي، في رحلة لاستكشاف الأسرار المشتركة الكامنة وراء معجزتي التنمية الصينية والإماراتية، والتعرف معاً إلى العوامل التي صنعت هاتين التجربتين الاستثنائيتين، وما يمكن أن نتعلمه من مسيرتيهما.