في عالم السياسة، لا تبدأ المواجهات دائماً بالتصريحات العدائية، أو العقوبات، أو الصدام المباشر، بل قد تبدأ بخبر مشوّه، أو معلومة مجتزأة، أو رواية سلبية، يجري تكرارها حتى تستقر في أذهان الناس وكأنها حقيقة.
فالشيطنة السياسية إحدى الأدوات القديمة التي تطورت مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، وهدفها تكوين صورة سلبية عن الطرف الآخر، واستفزازه أحياناً ودفعه إلى اتخاذ رد فعل غاضب وغير محسوب، ثم استخدام رد فعله نفسه لتأكيد الصورة التي رُسمت عنه مسبقاً.
لكن هناك مستوى أكثر خطورة من شيطنة الدول والأشخاص، وهو شيطنة الأفكار.
شيطنة الأفكار لا تستهدف المواقف السياسية وحدها، بل تتسلل إلى جذور قناعات المجتمعات ومعتقداتها وقيمها وثوابتها. وهي لا تقوم بالضرورة على مهاجمة تلك الأفكار بصورة مباشرة، وإنما على بث الشكوك حولها تدريجياً، وإعادة تقديمها بصورة مشوهة، حتى يبدأ الإنسان بالتساؤل عن أفكار كان يعتبرها جزءاً طبيعياً من هويته وثقافته.
وهنا تكمن خطورة هذه الشيطنة، فالخصم الذي يعجز عن تغيير قناعات مجتمع من الخارج، قد يحاول دفع المجتمع إلى تغييرها من الداخل. وبدلاً من مهاجمة الفكرة، يجعل أصحابها يشككون فيها بأنفسهم.
وفي العلاقات الدولية، نشاهد أحياناً آلات إعلامية تشن حملات ممنهجة ضد دولة تقف عائقاً أمام مصالح معينة، أو تختلف مع طرف آخر سياسياً أو اقتصادياً. تبدأ العملية بتكوين صورة ذهنية سلبية عنها، ثم تتوسع لتشمل سياساتها ومؤسساتها ونموذجها الاجتماعي والثقافي.
وقد تتحرك بالتوازي أدوات سياسية ودبلوماسية وثقافية واقتصادية، بحيث تتحول المواجهة من خلاف سياسي محدود إلى معركة طويلة على السمعة والصورة والوعي.
وقد ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي من تأثير هذه الأدوات. فالرواية لم تعد تحتاج إلى مؤسسة إعلامية ضخمة حتى تصل إلى الملايين. منشور واحد، أو مقطع قصير خارج سياقه، أو معلومة ناقصة، يمكن أن ينتشر خلال ساعات، ثم تعيد الحسابات والمنصات إنتاجه حتى يصبح كثرة تكراره بديلاً عن التحقق من صحته.
والأكثر خطورة أن حملات الشيطنة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى اختلاق الأكاذيب بالكامل، فقد تعتمد على حقيقة جزئية، ثم تضخمها وتعزلها عن سياقها وتبني حولها سردية كاملة. وهنا تصبح القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة واستخدامها المضلل أكثر أهمية من مجرد البحث عن الأخبار الكاذبة.
لذلك، فإن مواجهة سياسة الشيطنة لا تكون بإغلاق المجتمع عن العالم، ولا برفض النقد أو محاربة الرأي المختلف. فالمجتمع المغلق قد يكون أكثر هشاشة أمام المعلومة عندما تصل إليه. المواجهة الحقيقية تبدأ ببناء المناعة الفكرية.
والمناعة الفكرية تعني وجود مجتمع قادر على التمييز بين النقد والشيطنة، وبين المعلومة والرواية الموجهة، وبين الاختلاف الطبيعي والحملة المنظمة.
مجتمع يسأل عن مصدر المعلومة وتوقيتها والسياق الذي ظهرت فيه والمصلحة التي قد تقف خلف تضخيمها، من دون أن يتحول في المقابل إلى مجتمع يرفض كل رأي مخالف.
الدول القوية لا تحمي حدودها ومؤسساتها فقط، بل تحمي وعي مجتمعاتها أيضاً. وهذا التحصين لا يتحقق بمنع الأفكار، وإنما بالتعليم والثقافة والإعلام المهني وتعزيز التفكير النقدي وترسيخ الثقة بالهوية الوطنية.
لأن أخطر ما يمكن أن ينجح فيه خصمك ليس أن يجعلك تكرهه، بل أن يجعلك تشك في نفسك ومجتمعك والأفكار التي صنعت هويتك.
وحين تبدأ المجتمعات في شيطنة أفكارها بأيدي أبنائها، يكون الخصم قد حقق هدفه من دون أن يطلق رصاصة واحدة.