لم يعد إنهاء العلاقات اليوم قراراً استثنائياً، بل أصبح لدى الكثيرين أول استجابة لأي خلاف أو توتر.

وباسم الصحة النفسية، تحولت عبارات قصيرة متداولة في الفضاء الرقمي، مثل «اعتزل ما يؤذيك»، إلى فلسفة حياة تُشرّع الانسحاب أكثر مما تشجع على الإصلاح. فهل كل ما يزعجنا يستحق أن نهجره؟ وهل أصبح الاختلاف نفسه شكلاً من أشكال الأذى؟

تنتشر هذه العبارة اليوم بوصفها القاعدة الذهبية لإدارة العلاقات الإنسانية، حتى غدت العذر الأكثر استخداماً لتبرير الانسحاب الفوري من أي علاقة تشوبها مشقة أو يتخللها اختلاف في الآراء.

غير أن هذا التبسيط يخلط بين وضع الحدود النفسية الصحية وبين التوسع في إنهاء العلاقات عند أول خلاف، وهو ما قد يُضعف الصلابة النفسية ويؤثر، مع مرور الوقت، في تماسك النسيج الاجتماعي.

أما في المأثور التراثي، فتُنسب هذه العبارة في بعض كتب الأدب والزهد، إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ، بالنص الآتي: «اعتزل ما يؤذيك، وعليك بالخليل الصالح، وقلما تجده، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى».

غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن «الاعتزال» لم يُطرح شعاراً للعزلة الفردية أو للتنصل من الواجبات الأسرية والاجتماعية، بل جاء مقروناً ببديل واضح هو البحث عن الخليل الصالح. واقتطاع هذه الحكمة من سياقها أفقدها توازنها، وحوّلها إلى شعار يُستخدم لتبرير قرارات شخصية معقدة.

ولا يختلف علم النفس الحديث كثيراً عن هذا الفهم، إذ تشير نظرية التطعيم ضد الضغوط، التي طورها عالم النفس دونالد ميكنبوم، إلى أن التعرض لمستويات معقولة من الاختلاف والتحديات الاجتماعية يعمل بمثابة «لقاح نفسي» يساعد الفرد على تنمية مهارات التفاوض، وتحمل الإزعاج، وتنظيم الاستجابات الانفعالية.

ومن هذا المنطلق، فإن افتراض أن كل ضغط نفسي أو اختلاف في وجهات النظر يُعد أذى يستوجب الانسحاب، يتجاهل حقيقة أن الاحتكاك الطبيعي جزء أصيل من العلاقات الإنسانية.

فالعلاقات، سواء كانت أسرية أو مهنية أو اجتماعية، تمر بطبيعتها بمراحل من الاختلاف وسوء الفهم، وهذه ليست مؤشرات على فشل العلاقة، بل مراحل طبيعية في نضجها واستمرارها.

إن الهروب المستمر عند أول عثرة اجتماعية لا يحمي الإنسان، بل قد يجعله أقل قدرة على التكيف في بيئات العمل، وأضعف تحملاً للتباين الطبيعي بين البشر، وأكثر صعوبة في بناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد.

ولا يقتصر أثر هذا الفهم المبسط على الفرد، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع. فقد أظهرت دراسة مسحية شملت أكثر من 1300 مشارك ضمن مشروع للمصالحة الأسرية في جامعة كورنيل أن نحو 27% من البالغين يعيشون حالة قطيعة مع أحد أفراد الأسرة.

كما أن قطع الصلة نادراً ما يبقى محصوراً بين طرفين، إذ يدفع بقية أفراد العائلة إلى الانحياز لأحد الطرفين، مما يؤدي إلى انقسام الأسرة وإضعاف شبكة الدعم الاجتماعي، ويحرم الأجيال الجديدة من بعض الروابط الأسرية.

ومن اللافت أن كثيراً ممن مارسوا هذه القطيعة لم يبلغوا «السلام الداخلي» الذي كانوا يتوقعونه، بل تحدثوا عن شعور مستمر بالحزن أو الذنب. وهذه النتائج لا تعني أن كل قطيعة خاطئة، لكنها تذكرنا بأن الانسحاب ليس دائماً الطريق الأقصر إلى الطمأنينة.

ولا أقلل هنا من أهمية الانسحاب من العلاقات التي تقوم على الإساءة المتكررة، أو العنف، أو الاستغلال، أو الابتزاز العاطفي، فحماية الكرامة والسلامة النفسية أولوية لا خلاف عليها.

لكن الإشكال يبدأ حين يتسع مفهوم «الأذى» ليشمل كل خلاف أو اختلاف أو شعور عابر بعدم الارتياح، فتغدو القطيعة، التي يفترض أن تكون استثناءً تفرضه الضرورة، خياراً اعتيادياً يفتقر إلى التروي والحكمة.

وهناك فرق بين الأذى الحقيقي الذي يستوجب وضع حدود واضحة، وبين الاحتكاك الطبيعي الذي تفرضه اختلافات الشخصيات والأجيال، وهو ما يتطلب قدراً من الصبر والحوار وإدارة الخلاف.

إن النضج النفسي والذكاء الاجتماعي لا يتجليان في الهروب عند كل اختبار، وإنما في امتلاك مهارة إدارة الحدود، من خلال رسم مسافات آمنة تتناسب مع طبيعة كل علاقة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل الذي يصون النسيج الأسري ويحفظ كرامة جميع الأطراف.

وفي نهاية المطاف، لا يُبنى السلام الداخلي الحقيقي على أنقاض العلاقات، بل يتشكل في المساحة الدقيقة التي توازن بين احترام الذات والوفاء بالمسؤوليات الإنسانية.

فليست كل علاقة تستحق الاستمرار، كما أن ليس كل خلاف يستحق القطيعة. وبين هذين الحدين تتجلى الحكمة، حيث تُحمى الكرامة الإنسانية دون أن تُهدم الجسور التي يقوم عليها تماسك الأسرة والمجتمع.