وضعت النقاشات العالمية حول مستقبل العمل مفاهيم اكتساب المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها في صميم الاهتمام العالمي. وعلى الرغم من أنها تُعتبر حلولاً عالمية شاملة لتحديات أسواق العمل المعقدة، فإن هذه المفاهيم لا يمكن التعامل معها على أنها مترادفات أو استخدامها بالتبادل.

فهذا التبسيط المفرط لا يُغفل فقط أدوارها المتميزة، بل يتجاهل أيضاً حقيقة جوهرية وهي أنها ليست مجرد أدوات لسوق العمل، بل هي عوامل مؤثرة في بناء رأس المال البشري واستدامته.

وغالباً ما يُنظر إلى رأس المال البشري من منظور الإنتاجية، ولكنه في الواقع يعكس مجموعة أوسع من القدرات البشرية كالمعرفة، والتعليم، والمهارات، والصحة، التي تُحدد كيفية مشاركة الشباب في العالم المحيط بهم وتكيفهم معه.

ونظراً لأن هذه القدرات تُبنى بطرق مختلفة وفي مراحل متباينة ضمن سياقات مختلفة، لا يمكن اعتبار اكتساب المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها تدخلات مماثلة، إذ يؤدي كل منها دوراً متميزاً في كيفية تنمية رأس المال البشري.

وبالتالي، يُعدّ رأس المال البشري محركاً أساسياً للتنمية البشرية، إذ يُتيح الانتقال من التركيز على ما يمتلكه الأفراد من قدرات، إلى ما يمكنهم تحقيقه في نهاية المطاف ليعيشوا الحياة التي يتطلعون إليها. وبذلك، يتحول التركيز من اعتبار الأفراد مساهمين في النمو الاقتصادي، إلى اعتبارهم الغاية النهائية للتنمية نفسها.

استناداً إلى الخبرات المكتسبة في قطاع التنمية عبر مناطق جغرافية متنوعة، يتضح أن مفاهيم اكتساب المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها تحمل دلالات مختلفة وتتطلب أساليب مختلفة. كما ينبغي تصميمها بما يتناسب مع الاحتياجات والتحديات والفرص الخاصة بكل سياق محلي.

ففي العديد من مناطق العالم، يبدأ تعزيز رأس المال البشري من خلال اكتساب المهارات. وهذه المهمة ليست هامشية، بل تمثل تحدياً تنموياً محورياً يتطلب استثمارات مستدامة تضمن فرصاً عادلة للحصول على التعلم الأساسي والمهارات العملية التي تُترجم إلى فرصة اقتصادية حقيقية بناءً على احتياجات السوق الحالية لسد فجوة المهارات.

فالمسار واضح، حتى لو كان التنفيذ معقداً، توفير التعليم والتدريب، ومنح شهادات معتمدة، وربط الشباب بفرص العمل أو تهيئتهم ليصبحوا رواد أعمال. وبدون هذه العناصر الأساسية، يظل الدخل الثابت والاعتماد على الذات بعيدين عن متناول الملايين.

وأما تطوير المهارات، فيؤدي دوراً مختلفاً لا يقل أهمية. فهو يتيح للأفراد تعزيز قدراتهم وتوسيع كفاءاتهم بما يضمن استمرار ملاءمتهم للأدوار المتغيرة في سوق العمل.

ففي البيئات المستقرة، يسهم في تعزيز الإنتاجية وتحقيق التقدم المهني، مدفوعين بالابتكار. أما في البيئات التي تواجه اضطرابات وأزمات، فيساعد الأفراد على الحفاظ على مسارهم المهني، وإعادة الارتباط بالتعلم والعمل، ومواصلة التقدم رغم التحديات.

وفي كلتا الحالتين، فإن توفير فرص مستدامة لتطوير المهارات يعزز رأس المال البشري ويحول دون ركوده، مع ما يترتب على ذلك من مكاسب ملموسة في كسب الدخل.

وفي الاقتصادات التي تشهد تحولات متسارعة، تصبح إعادة تأهيل المهارات ضرورة ملحّة. فالتقدم التكنولوجي، والتغيرات المناخية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية المتسارعة، جميعها تعيد رسم ملامح العمل بوتيرة غير مسبوقة.

وبالنسبة إلى العديد من العاملين، لم يعد التحدي يقتصر على التقدم داخل قطاع معين، بل بات يتعلق بالانتقال إلى قطاعات جديدة بالكامل. وفي هذا السياق، تُعد إعادة تأهيل المهارات أداة أساسية تمكّن الشباب من التكيف مع التغيرات بمرونة وبما يضمن صون كرامتهم، وفي الوقت ذاته تدعم الاقتصادات في بناء قدرات وطنية أكثر قوة واستدامة.

فعلى سبيل المثال، عندما تصبح تقنية أساسية تقليدية غير مواكبة للتطورات ويتم استبدالها بحلول جديدة كلياً ومتطورة على مستوى الأنظمة، لا يقتصر الأمر على تحديث العمال لمهاراتهم القائمة؛ بل يتطلب منهم الخضوع لإعادة التأهيل عبر اكتساب قدرات جوهرية جديدة تؤهلهم لتولي أدوار مختلفة.

وهنا لا نتحدث عن امتداد للخبرات الحالية، بل عن انتقال إلى مجموعات مهارية جديدة تستوجب تبني الابتكار والانتقال من منظومة تقنية إلى أخرى، والمساهمة الفاعلة في تطوير الحلول الناشئة.

مواكبة المتغيرات

هذه الفروق ليست دلالية، بل تؤثر بصورة مباشرة في كيفية بناء رأس المال البشري وتعزيزه واستدامته عبر السياقات المختلفة. فعندما تتوافق برامج اكتساب المهارات مع الواقع واحتياجاته، فإنها توسع قدرات الأفراد، وتفتح أمامهم آفاقاً جديدة، وتعزز قدرتهم على الصمود على المدى الطويل.

أما عندما يغيب هذا التوافق، فتكون النتائج واضحة؛ إذ لا يحصل الأفراد على المهارات المطلوبة للوظائف المتاحة، ولا على القدرات اللازمة لمواكبة المتغيرات المتسارعة في الأسواق.

ومع تحول الصناعات وظهور أدوار ووظائف جديدة، يتخلف الكثيرون عن الركب ليس بسبب غياب الفرص، ولكن لأن المسارات اللازمة لمواكبة مجموعات المهارات الجديدة المطلوبة لتلك الوظائف الجديدة، تظل مجزأة أو لا يمكن الوصول إليها.

إضافة إلى ذلك، بالنسبة للأفراد الذين لم يتمكنوا من إكمال تعليمهم النظامي، لا يكمن التحدي في اختيار المسار الأمثل فحسب، بل في كيفية الوصول إليه من الأساس. لذلك، يجب أن تتجاوز أنظمة تنمية المهارات المسارات التقليدية الخطية من التعليم إلى التوظيف.

وأن تُنشئ مسارات مرنة ومتاحة تُعيد ربط الأفراد بالبيئة الأوسع، ليس فقط لكسب الدخل، بل لتمكينهم من الصمود، والمشاركة الفعّالة في المجتمع، والتماسك الاجتماعي، والعيش الكريم. وبدون هذا التدرج، يُصبح التدريب المهني مجرد وعدٍ بلا مسارٍ واضح.

ولمواجهة هذا التحدي، يجب أن ندرك أن رأس المال البشري لا يُبنى في لحظة واحدة، بل يتشكل تدريجياً عبر مراحل متعددة تبدأ بالتعلم في مرحلة الطفولة المبكرة، مروراً بالتعليم النظامي، ثم الانتقال إلى العمل، وصولاً إلى التكيف المستمر مدى الحياة.

وعندما يغيب التنسيق بين هذه المراحل، تستمر الفجوات ويجد الأفراد أنفسهم مضطرين للتنقل عبر مسارات متفرقة تعيق تقدمهم. وهذه التجزئة تسلط الضوء على حقيقة أساسية مفادها أن بناء رأس المال البشري ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتعزيز التنمية البشرية من خلال توسيع نطاق الفرص وبناء المرونة وتمكين الأفراد من رسم مستقبلهم بأنفسهم.

وفي هذا السياق، يجب تقييم اكتساب المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها ليس فقط من حيث قدرتها على دعم سبل العيش والاستجابة للتغيرات، بل أيضاً من حيث مدى تمكينها للأفراد من توسيع الخيارات المتاحة في حياتهم. وهذا يتطلب نتائج لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تشمل أيضاً الجوانب التنموية.

ولا توجد صيغة عالمية موحدة لتحقيق ذلك. فلكل دولة ظروفها الخاصة التي تفرض نهجاً يتناسب مع هيكلها الاقتصادي، وتركيبتها السكانية، ومرحلتها التنموية. غير أن العامل المشترك بين جميع السياقات يتمثل في ضرورة الانتقال من التدخلات المجزأة إلى أنظمة متكاملة وقابلة للتكيف وشاملة، تستند إلى رؤية طويلة الأمد.

كما يتطلب ذلك بناء منظومات مترابطة بالكامل تتوافق فيها مخرجات التعليم وتنمية المهارات مع احتياجات القطاع الخاص، بما يضمن انتقالاً سلساً بين التعلم والعمل، بدلاً من ترك الأفراد يواجهون مسارات متقطعة بمفردهم.

إن هذا التحول من التجزئة إلى التكامل يعيد صياغة مفهوم المهارات، من مجرد مخرجات إلى نتائج ملموسة رقمية تقاس بعدد المتدربين وقدرتهم على التكيف مع التغيير، واغتنام الفرص، وبناء مستقبلٍ مُثمر. وعندما ننجح في تطبيق هذا التحوّل.

فإنّ اكتساب المهارات وتطويرها وإعادة تأهيلها يتجاوز طموحات السياسات ليُصبح تقدماً بشرياً حقيقياً، ويُشكّل ركيزةً أساسيةً لتعزيز رأس المال البشري وتحقيق تنمية بشرية أكثر شمولاً.

الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة دبي العطاء