قد يعتقد كثير من الآباء أن أول درس في المال يبدأ عندما يحصل الطفل على مصروفه، لكن الحقيقة أن الدرس يبدأ عندما يرى والديه يتخذان قراراً بالشراء أو التأجيل، وعندما يسمعهما يتحدثان عن الادخار أو التخطيط أو الأولويات. فالطفل لا يتعلم قيمة المال مما يُقال له، بقدر ما يتعلمها مما يراه كل يوم.
وفي الواقع أن الكثير من البالغين يقضون سنوات طويلة وهم يحاولون تصحيح عادات مالية تشكلت في طفولتهم. فمن اعتاد الإنفاق دون تفكير، أو ربط السعادة بالشراء، أو تجاهل قيمة الادخار، يحمل معه هذه القناعات إلى مراحل لاحقة من حياته، حتى تصبح قراراته المالية انعكاساً لعادات قديمة أكثر منها قرارات واعية.
ولذلك، فإن تعليم الطفل كيفية التعامل مع المال لا يعني أن نثقل طفولته بلغة الأرقام والحسابات، بل أن نساعده على فهم معنى الاختيار، وأن يدرك أن كل درهم يُنفق يقابله قرار، وأن الادخار ليس حرماناً، وإنما تأجيل لمتعة صغيرة من أجل هدف أكبر، وأن العطاء جزء من قيمة المال.
مثل هذه المفاهيم تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية، فحين يشارك الطفل في التخطيط لشراء شيء يرغب فيه، أو يدخر جزءاً من مصروفه، أو يتعلم أن يفرق بين ما يحتاج إليه وما يرغب فيه، يتمكن من اكتساب الثقافة المالية ويتعلم الصبر وتحمل المسؤولية، والتفكير في المستقبل، وهي قيم تمتد آثارها إلى مختلف جوانب حياته.
واللافت أن هذا الوعي أصبح توجهاً وطنياً تتبناه دولتنا من خلال مبادرات وبرامج متنوعة، مثل منصة «زود»، ومبادرة «سندك»، وبرنامج «المستثمر الصغير»، وغيرها من المبادرات التي تسعى إلى ترسيخ الثقافة المالية لدى الأطفال والناشئة، انطلاقاً من الإيمان بأن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء إنسان يعرف كيف يدير موارده، ويتخذ قراراته بوعي ومسؤولية.
مسار:
الاستثمار الحقيقي يبدأ عندما نغرس في أطفالنا القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الإنفاق والادخار.