قدّمت شعوب العالم عبر التاريخ أدواراً مشرّفة في الدفاع عن أوطانها، وسجّلت صفحاتٍ خالدة من النضال والتضحية، ونقل إلينا المؤرخون تلك الوقائع بعد أن وثّقوها، فغدت كتاباتهم مرجعاً للأجيال في استلهام مواقف الشعوب وتضحياتها.
وأنا أتأمل ما حفظه التاريخ من تلك المسيرات، لم أجد في صفحاته وحدها ما أبتغيه؛ فرفعت بصري متأملةً أفقاً أرحب مما ترويه الدفاتر، فإذا بمسيرة تتجلى أمامي عنوانها الصدق والعمل، لا ضجيج الشعارات ولا زيف الأقوال؛ مسيرة يقف التاريخ أمام إنجازاتها مهيباً، لأنها لم تُبنَ على أساس واهن، بل على إيمان راسخ وقوة عصيّة على الانكسار، تشيّدها سواعد العطاء وتُتوَّج بالإنجاز. ألا وهي: مسيرة الشعب الإماراتي.
لم تكن هذه المسيرة وليدة سنوات قليلة، بل هي ثمرة أجيال حملت الأمانة، وقيادة حكيمة أرست دعائم الاتحاد، بدءاً من المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وصولاً إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يواصل قيادة مسيرة التنمية والنهضة برؤية طموحة وعزيمة راسخة.
مسيرة تستحق أن تُروى للأجيال، لتعرف أن للإمارات رجالاً وسواعد صنعت المجد، وأن أبناءها حملوا رايات العز بشرف، وصانوا وطنهم بإخلاص، وجعلوا من الاتحاد قصة نجاح ألهمت العالم.
فإذا كانت أرض الوطن وقيادته وبحره وسماؤه تسكن وجدان أبنائه، فكيف إذا تجذّر الولاء في أعماق القلوب، وصار عهداً لا يُنقض، ومسؤولية لا تُؤجّل، وأصبح الدفاع عن الوطن وخدمته شرفاً تتوارثه الأجيال، ووفاء لا تنال منه السنون؟ وطن جعل الاتحاد قيمة تجمع القلوب، وإرادة تجمع السواعد، وراية يلتف حولها الجميع.
ولهذا فإن مقام الإماراتي لا يمكن حصره بمجرد النظر إلى إنجازات وطنه، ولا بمجرد توثيق مسيرته ودراستها؛ فهو مزيج من معانٍ لا تستوعبها القراءة العابرة.
ولا تكشفها النظرة السطحية، بل تحتاج إلى وعي عميق بما يعنيه أن ينتمي الإنسان إلى وطنٍ أصبح الولاء له قيمة، وخدمته مسؤولية، والدفاع عنه شرفاً لا يعلوه شرف؛ لأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله عن الوطن، وإنما بما نقدّمه له، وما نحمله من وفاء له في القول والعمل. أقولها حقيقةً، وأقدّمها لشعوب العالم: الإمارات، يا سادة، مقام لا يُدرك.
ويحضر في هذا المقام قول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: «إن الدول لا تُقاس بحجمها أو عدد سكانها، بل بإرادة وعزيمة رجالها وشعبها». كلماتٌ لم تبقَ حبيسة مقامها، بل تجاوز صداها حدود الوطن.
وباتت تستحضرها الأمم كلما تحدّثت عن قوة الشعوب وإرادتها في صناعة المستقبل. حفظ الله دولة الإمارات العربية المتحدة، قيادة وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، والعزة والرخاء، وجعلها دائماً نموذجاً للوطن الذي يكتب تاريخه بالمجد والإنجاز.