يقولون في الأمثال: خطأ مشهور خير من صواب مهجور، والصواب المهجور ما أكثره في هذه الأيام، ومنه قولهم للمتزوجين الجدد: بالرفاه والبنين.

«بالرفاه والبنين» دعوة قديمة كانت تستخدم عند العرب في الجاهلية، ولمّا جاء الإسلام أبدلها بقوله: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير.

والصحيح أن نتبع ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نتبع دعوى الجاهلية، ولا سَنن من كان قبلنا، ذلك أن الإسلام يجُبّ ما قبله كما يقول عليه الصلاة والسلام.

لكن على افتراض أن دعوى الجاهلية ما زالت مقبولة، فإنّ «بالرفاه والبنين»، كلمة الرِفاء (بالهمزة المتطرفة)، والرفاء في قواميس اللغة العربية من الفعل رفّ يرفّ رفاء، أي أصلح الثوب وخاطه.

وقد ورد عن نصر بن يسار والي خراسان في أواخر العصر الأموي في رسالته إلى الخليفة الأموي مروان بن محمد، طالباً فيها النجدة والدعم، يقول واصفاً حالة الضعف في المشرق:

إنا وما نكتم من أمرنا

كالثور إذ قرّب للناخع

أو كالتي يحبسها أهلها

عذراء بكرا وهْي في التاسع

كنا نرفّيها وقد مزّقت

واتسع الخــــــــــــرق على الراقع

نرفّيها أي نرقعها وورد في كتب الأدب والتاريخ أن نصراً استهل رسالته بأبيات شهيرة، يحذر فيها الخليفة من الخطر الكامن في هذه الثورات، والأبيات هي:

أرى بين الرماد وميضَ نار

وأخشى أن يكون له ضرامُ

وإن النار بالعُـــــودين تُذكى

وإنّ الحربَ مبــــــــدؤها كلامُ

فقلت من التعجب ليت شعري

أ أيقــــــــــــاظٌ أميّـــــــــــــةُ أم نيام؟

انظر كيف جاء رد الخليفة الأموي مروان بن محمد أبلغ من الأبيات حيث قال: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فاحسم الثؤلول قبلك، وفي هذا القول إشارة إلى أن نصر بن يسار كان أقدر على مواجهة الأمر محليّاً من غير أن يمده الخليفة بمدد من عنده وهو بعيد.

والثؤلول في الأصل، نتوء محدّد ملوّن على ظاهر الجلد ينشأ من تضخم الحلمات بالطبقة الشوكية للجلد بسبب الإصابة بعدوى حُمية، واستخدام الكلمة هنا من باب الكناية والمجاز.

والهدف من سرد هذه القصة أن «بالرفاه والبنين» لو استخدمناها في أيامنا، فكلمة الرفاه بالهمزة (الرفاء) وليس بالهاء، لأن المعنى المراد التماسك والانسجام حتى إنجاب الذرية، ولا دخل للرفاهية هنا.

ثم الأولى استخدام المأثور عن الرسول عليه الصلاة والسلام: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير.