في يوليو 2026، أطلق «كوجي ساتو»، الرئيس التنفيذي لشركة تويوتا ورئيس اتحاد مصنعي السيارات اليابانيين، تحذيراً غير مسبوق حين قال: «ما لم تتغير الأمور، فلن ننجو». لم يكن التصريح مجرد قراءة لتراجع المبيعات، بل اعترافاً بأن قواعد المنافسة في صناعة السيارات قد تبدلت.

فلم تعد الأفضلية تحسم بجودة المحركات أو كفاءة خطوط الإنتاج، بل بالبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والقدرة على تطوير منظومات تتطور باستمرار.

فإذا كانت القوى الصناعية الكبرى تعيد اليوم رسم استراتيجياتها للحفاظ على مكانتها، فإن السؤال الأهم لم يعد من سيفوز في سباق السيارات، بل من اختار منذ البداية موقعاً مختلفاً في هذه الصناعة.

لهذا تتجه الشركات اليابانية إلى توحيد المكونات الأساسية وخفض تكاليف الأجزاء التقليدية بهدف تحرير الموارد للاستثمار في البطاريات وأنظمة التشغيل الذكية، وهي المجالات التي حققت فيها الشركات الصينية تقدماً ملحوظاً بفضل استثمارات مبكرة وتكامل سلاسل الإمداد.

وبذلك أصبحت المنافسة تدور حول من يملك المنظومة الرقمية للسيارة، لا مجرد القدرة على تصنيعها.

ولم يعد المصنع هو المصدر الرئيس للقيمة الاقتصادية كما كان في القرن الماضي. فالمصنع يمكن نقله أو تكراره، أما المنظومة المتكاملة فتجذب المصنعين، والمطورين، ومقدمي الخدمات إلى شبكة واحدة، فتتحول القيمة من إنتاج السلعة إلى إدارة المنظومة الاقتصادية التي تدور حولها.

وبينما انشغلت معظم القوى الصناعية ببناء السيارة الأكثر تطوراً، اختارت دولة الإمارات مساراً مختلفاً.

فلم تسعَ إلى منافسة تلك القوى في التصنيع، بل ركزت على بناء البيئة التشريعية والتنظيمية التي تجعل مختلف المصنعين راغبين في العمل من خلالها. إنها استراتيجية تقوم على سيادة المنظومة بدلاً من سيادة التصنيع.

ويتجسد هذا التوجه في التشريعات التي سبقت كثيراً من الأسواق العالمية. ففي دبي، وضع القانون رقم (9) لسنة 2023 إطاراً واضحاً لتشغيل المركبات ذاتية القيادة، مع فصل الجاهزية التقنية للمركبة عن أهلية المشغل التجاري، ما وفر وضوحاً تنظيمياً جذب الشركات العالمية لاختبار وتشغيل تقنياتها.

وفي رأس الخيمة، جاء القانون رقم (1) لسنة 2026 ليعزز حوكمة البيانات والأمن السيبراني، ويلزم المركبات بأنظمة تشغيل آمنة عند حدوث أي خلل برمجي.

هذه البيئة القانونية لم تجعل الإمارات مجرد سوق متقدمة، بل بيئة تنظيمية تمنح المستثمرين وضوحاً في المسؤوليات، وسرعة في اعتماد التقنيات، وثقة في بيئة التشغيل.

وفي الصناعات التقنية الناشئة، لم يعد التشريع مجرد أداة لتنظيم السوق، بل أصبح عاملاً من عوامل المنافسة الاقتصادية. فكلما كانت القواعد أكثر وضوحاً وسرعة في مواكبة الابتكار، انخفضت تكلفة الدخول إلى السوق، وتسارعت دورة تطوير المنتجات، وازدادت جاذبية الدولة للاستثمارات النوعية.

ولهذا لم تعد الدول تتنافس على جذب المصانع وحدها، بل على بناء البيئة التي تمنح الابتكار مساحة آمنة للنمو.

غير أن التشريع وحده لا يصنع ميزة مستدامة، كما أن استقطاب مصنع جديد لا يكفي لبناء موقع تنافسي طويل الأمد.

لذلك اتجهت الدولة إلى توطين جزء من المنظومة الصناعية من خلال استقطاب استثمارات مثل مشروع «روكس موتور» في أبوظبي، بهدف ترسيخ منظومة تشغيل متكاملة تشمل التصنيع، ومعايرة الأنظمة الذكية، وتأهيل الكفاءات، وربط الموردين المحليين بسلاسل الإمداد. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لا تقاس بعدد المصانع، بل بما تولده من معرفة، وبيانات، وفرص اقتصادية جديدة.

فالمركبات الذكية تولد تدفقات مستمرة من البيانات التشغيلية، تستخدم في تطوير البرمجيات، وتحسين السلامة، ورفع كفاءة التشغيل، وابتكار خدمات جديدة.

ومن يمتلك بيئة تنظيمية وصناعية قادرة على إدارة هذه البيانات والاستفادة منها، يمتلك أحد أهم مصادر الميزة التنافسية في الاقتصاد الرقمي.

ولا يقتصر هذا التحول على صناعة السيارات، بل يتسع ليشمل الاقتصاد العالمي، حيث تتنافس الدول اليوم على بناء المنظومات القادرة على استقطاب التقنيات الناشئة في الذكاء الاصطناعي، والطيران، واللوجستيات، والتقنيات الحيوية. وفي جميع هذه القطاعات، أصبحت البيئة التنظيمية المرنة أحد أهم عناصر التنافسية الاقتصادية.

إن التحولات الجارية في صناعة السيارات تكشف أن الدول التي ستقود الاقتصاد المقبل ليست بالضرورة الأكثر امتلاكاً للمصانع، بل الأكثر قدرة على تحويل التشريع إلى ميزة تنافسية، والبيانات إلى أصل اقتصادي، والشراكات إلى منظومات إنتاج متكاملة.

وبينما يتنافس الآخرون على بناء السيارة الأفضل، تبدو الإمارات وكأنها تراهن على ما هو أبقى أثراً، وهو بناء المنصة التي سيبنى عليها اقتصاد التنقل في المستقبل. ولعل هذا هو الطريق الذي تجاهله الجميع.