قبل أيام، دعاني أحد الأصدقاء إلى مجلسه في دبي. كان المجلس عامراً بالأصدقاء والجيران، والحديث يدور بعفوية، ينتقل بين أخبار الناس وشؤون الحياة، حتى خُيِّل إليَّ أن الجميع ينتمي إلى أسرة واحدة، لا إلى بيوت مختلفة.

ورغم أنني كنت أزور المجلس للمرة الأولى لم أشعر أنني ضيف، بل واحدٌ من الحاضرين. وتلك ليست مصادفة، بل ثمرة بيئة اجتماعية حرصت دولة الإمارات على ترسيخها، حتى أصبح الإنسان يشعر بقيمة الانتماء، وبأن المجتمع يحتضنه قبل أن يستقبله.

غادرت المجلس، لكن السؤال لم يغادرني. ظل يرافقني طوال الطريق: ما الذي يجعل مجتمعاً ما أكثر تماسكاً من غيره؟ وهل يكفي أن نبني المدن الحديثة لنقول إننا بنينا مجتمعاً؟

لا شك أن العمران ركيزة من ركائز النهضة، لكنه لا يصنع مجتمعاً بمفرده.

فالعمران قد يبني مدينة، لكن العلاقات الإنسانية هي التي تبني مجتمعاً.

ولعل هذا ما حرصت دولة الإمارات على ترسيخه منذ قيام الاتحاد، فما نشهده من اهتمام بالمجالس في الأحياء، ودعم للمبادرات المجتمعية، وتعزيز لقيم الترابط الأسري، يعكس رؤية تؤمن بأن قوة الوطن تبدأ من قوة النسيج الاجتماعي، وأن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنيان.

وتبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الاحترام، والتعاون، وتحمل المسؤولية.

ففيها يتعلم أن للحياة معنى لا يكتمل إلا بالآخرين، وأن المحبة ليست شعوراً عابراً، بل سلوكاً يومياً يظهر في الحوار، والاهتمام، والتسامح، والوقوف إلى جانب من يحتاج إلينا.

ولعل أبلغ ما صوَّر هذه المعاني حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

فليست هذه دعوة إلى التعاطف فحسب، بل وصفٌ لمجتمع لا يشعر فيه الإنسان أنه يعيش وحده، بل يدرك أن قوته من قوة من حوله، وأن استقرار المجتمع مسؤولية يشترك فيها الجميع.

وفي زمنٍ قرَّبت فيه وسائل التواصل الاجتماعي المسافات لا ينبغي أن تسمح لنا بإبعاد القلوب، فما زالت المجالس، وصلة الرحم، وزيارة الجار، والسؤال عن الصديق، هي التي تمنح العلاقات معناها الحقيقي، وتصنع الثقة التي لا يمكن أن تبنيها شاشة هاتف.

ومن هنا فإن مسؤولية تعزيز الترابط الاجتماعي لا تقع على الأسرة وحدها، بل تشاركها فيها المدرسة، والإعلام، والمؤسسات، وكل مبادرة تجمع الناس على الخير، وتحافظ على تماسك الأسرة، وتغرس قيم التعاون والانتماء.

إن المجتمعات القوية لا تُبنى بالمصادفة، وإنما تُبنى حين تصبح المحبة سلوكاً، والتكافل ثقافة، وصلة الرحم عادة، والاهتمام بالآخرين جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. وحينها فقط يصبح المجتمع بحق... كالجسد الواحد.