كثيرة هي المواقف الكبرى في حياة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والتي تستدعي أن نتوقف عندها طويلاً لاستلهام العبرة، وشحذ الهمة، وتعبيراً عن الوفاء لذلك القائد النادر الذي جمع الله تعالى فيه من الفضائل والمناقب والشمائل التي تشهد بأصالته وحكمته وشجاعته وكرم نفسه، فكان في سماء العروبة مثل النجم الساطع الذي يبشر الناس عند طلوعه بقدوم مواسم الخير، وهكذا كان الشيخ زايد، رحمه الله، فما أن بزغ نجمه حتى انطلق كالشهاب الثاقب نحو بناء الوطن في إطار مسؤولياته التي بدأت عام 1946م حين كان حاكماً للعين، مروراً بتولي مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966م، وبلغت ذروة تلك المسؤولية عام 1971م حين تم توحيد دولة الإمارات العربية المتحدة ليكون هو أول رئيس لها حتى وفاته عام 2004م، رحمه الله وأسبغ عليه المغفرة والرضوان.

في عام 1918م كانت إطلالة الشيخ زايد على هذه الحياة في مدينة العين، وتحت شمس صحرائها اللاهبة عاش طفولته الأولى التي أكسبته صلابة نادرة وشجاعة وصبراً، وفي كتاتيبها البسيطة تلقى تعليمه الذي صقل شخصيته وجعل منه رجلاً حكيماً وقائداً فذاً لاحت عليه أمارات القيادة منذ بواكير شبابه، وقد قص علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، شيئاً من تفاصيل هذه المرحلة وقدم لنا صورة رائعة لشخصية هذا القائد الكبير في سيرته الذاتية «قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً» حين جعل القصة رقم (45) بعنوان «رحيل زايد»، حيث قال: «حكم زايد العين منذ العام 1946 عندما كان عمره 28 عاماً فقط.

أحبته القبائل واجتمع حوله الرجال، وبدأ مسيرته من قلب الصحراء، حفر الآبار بيده مع البدو، وشق الأفلاج معهم بنفسه، ولم تقف ندرة الماء عائقاً أمامه. أنشأ لهم أول مدرسة، وأول سوق، وأول مشفى، وأول شبكة طرق حديثة. هو الأول دائماً، أحبه الناس هناك لأنه كان يأكل معهم على الأرض، ويحاورهم ويشاورهم ويعمل معهم بيده.

من بساطة العين انطلق زايد من غير تكبر أو غطرسة مصطنعة، فنجح في ترسيخ حكمه وحكمته عبر أكثر من نصف قرن وهبها لبلده».

لقد آثرتُ نقل هذا النص الطويل من كلام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لعمق دلالته على الجذر الأخلاقي العميق لشخصية الشيخ زايد في الإدارة والحكم وتحقيق أعمق أشكال الجاذبية من خلال هذه الروح الأصيلة التي تعيش مع شعبها، وتشاركه متاعب الحياة ولا تجلس في القصر العالي وهي تنظر إلى الناس وهم يحفرون بأيديهم بين حبات الرمل ويستنبطون روح الحياة من قلب الصحراء، فلأجل ذلك كان الشيخ زايد، رحمه الله، هو ذلك القائد الاستثنائي الذي ما جادت الدنيا بمثله، وظلت محبته مغروسة في القلوب مثل نخل الإمارات الذي يعطي أجمل الثمرات.

قبل ستين عاماً، وفي مثل هذا اليوم، السادس من أغسطس عام 1966م تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم إمارة أبوظبي، وكان ذلك من سَعْد هذه الإمارة التي شهدت مع بداية حكمه انطلاقة واثقة نحو نهضة جديدة مع تباشير تصدير النفط لبناء بنية تحتية لهذه الإمارة الكبرى بين إمارات الوطن، وشمل ذلك جميع المرافق الحيوية للإمارة من الصحة والتعليم وشبكة الطرق والإسكان، مع انتهاج سياسة الباب المفتوح للمواطنين، وفي هذه المرحلة بدأ الشيخ زايد يفكر بقضية توحيد الإمارات في كيان سيادي واحد وتحويل قيمة الولاء للوطن الواحد، وهو الهدف الذي استغرق خمس سنوات من التفكير والإعداد حتى تم تنفيذه عام 1971م كواحد من أعظم إنجازات هذا القائد الكبير الذي تسلم رئاسته وظل في هذا المنصب السيادي الكبير حتى وفاته عام 2004م، رحمه الله.

في أفياء هذه الذكرى، ذكرى تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي قبل ستين عاماً، كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تغريدة نبيلة تستلهم هذه الذكرى الطيبة في حياة الوالد المؤسس، وتشير إلى الدور الريادي العظيم الذي حمل أعباءه الشيخ زايد، رحمه الله، وأن دولتنا الحديثة إنما تدين بأفضل منجزاتها إلى رؤى ذلك المؤسس الكبير، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد: «يصادف اليوم الذكرى الـ 60 لتولي الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في 6 أغسطس 1966»، فصاحب السمو رئيس الدولة لم ينسَ هذا اليوم الفارق في مسيرة والده القائد المؤسس، وهو يُعبر عن تقديره لهذه اللحظة التاريخية الحاسمة من خلال هذه الحفاوة التي تؤكد عمق الانتماء لمدرسة الشيخ زايد، وقد وضح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد عمق هذه الذكرى وأثرها العميق في بناء الدولة حين تابع قائلاً: «محطة تاريخية شكلت انطلاقة مسيرتنا التنموية الشاملة، وأرست أسس بناء الدولة الحديثة، ومهدت الطريق نحو قيام اتحاد دولتنا بفضل قيادته الحكيمة ورؤيته المُلهِمة»، لتكون هذه الكلمات توقيعاً خاصاً من صاحب السمو رئيس الدولة على أهمية تلك اللحظة التاريخية التي شكلت محطة انطلاق وعبور نحو الزمن الحديث وبناء الدولة الحديثة من خلال مسيرة تنموية راشدة مهدت بكل حكمة وحنكة واقتدار الطريق الصعب نحو بناء الحلم الأكبر، بناء دولة الإمارات، وتم المراد وبزغ نجم هذه الدولة التي نتفيأ ظلالها بكل عزة وكرامة وانتماء.

وتعبيراً عن الحفاوة الصادقة بهذا اليوم المجيد في تاريخ الشيخ زايد، رحمه الله، كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تغريدة عميقة الحب والولاء للشيخ القائد المؤسس، حيث أضاء صاحب السمو الوجه البهي للشيخ زايد في صناعة الوطن والإنسان، وأنه لم يكن قائداً تقليدياً بل كان قائداً مؤسِساً يستشرف المستقبل ببصيرة ثاقبة ويعرف كيف يوجه الطاقات نحو أهدافها الكبرى، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله: «علمتني الحياة بأن زايد لم يكن قائداً وزعيماً فقط، بل كان فكرة عظيمة» ليفسر صاحب السمو المعنى العميق والجوهري للفكرة بقوله: «هناك قادة عظماء يبنون دولاً، وهناك مفكرون ومصلحون يبنون إنساناً، زايد بنى دولة، وبنى إنساناً، وصنع علاقة عميقة بين الإنسان والوطن، وسيبقى زايد خالداً في ذاكرة الوطن وفي وجدان الإنسان»، لتكون هذه الكلمات أروع تلخيص لشخصية هذا القائد الفذ الذي قال فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ذات يوم:

لم يكن زايدُ فينا واحداً

بل هو الأمة حين النُوَبِ

أنت ما كنتَ لشعبي قائداً

بل زعيماً لجميع العرب

رحم الله الشيخ زايد، وتلقاه بالرَوْح والريحان والمغفرة والرضوان.