ثمة قادة يخرجون من حدود الزمن ليصبحوا مدارس قائمة بذاتها، لا تُقاس بما أنجزوه في سنوات حكمهم فقط، وإنما بما تركوه من قيم ومبادئ تواصل صناعة المستقبل بعد رحيلهم.

والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واحد من هؤلاء القادة الذين لم يكن حضورهم مرتبطاً بمرحلة تاريخية، وإنما تحول إلى نهج راسخ تسير عليه دولة الإمارات جيلاً بعد جيل.

في الذكرى الستين لتوليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، في السادس من أغسطس عام 1966م، تستعيد الإمارات لحظة فارقة كانت بداية مشروع حضاري غيّر وجه هذه الأرض، وأعاد رسم مستقبلها، ووضع الإنسان في قلب معادلة التنمية.

لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في هذه المناسبة، أن الإمارات ستبقى سائرة على نهج الوالد المؤسس، مستلهمة رؤيته، ومواصلة مسيرته جيلاً بعد جيل.

لقد جاء الشيخ زايد، طيب الله ثراه، إلى الحكم في مرحلة كانت المنطقة كلها تعيش تحولات سياسية واقتصادية كبرى.

كانت التحديات أكبر من الإمكانات، غير أن القائد الحقيقي لا يبدأ بحساب ما يملك، وإنما بما يؤمن به.

وكان الشيخ زايد، عليه رحمة الله، يؤمن بأن الثروة الحقيقية ليست النفط، وإنما الإنسان.

لهذا جعل التعليم أولوية، والرعاية الصحية حقاً، والسكن الكريم هدفاً، والعمل قيمة، والتنمية وسيلة لرفع جودة حياة الإنسان، لا مجرد أرقام في التقارير.

منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد الحكم في الإمارة، لم ينظر الشيخ زايد، عليه رحمة الله، إلى أبوظبي باعتبارها إمارة منفصلة عن محيطها، وإنما هي جزء من وطن أكبر كان يحلم بقيامه.

لذلك تحولت سنوات حكمه الأولى إلى ورشة عمل حقيقية مهدت الطريق لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، في الثاني من ديسمبر عام 1971، في تجربة وحدوية أثبتت أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل الأحلام إلى حقائق.

لقد كان الاتحاد بالنسبة إليه مشروع حياة، لا اتفاقاً سياسياً عابراً، ولهذا ظل يعمل على ترسيخه، وتعزيز أركانه، حتى أصبح أحد أنجح النماذج الوحدوية في العالم أجمع.

لم يتوقف نهج الشيخ زايد، عليه رحمة الله، عند حدود الدولة، فقد كان يؤمن بأن أمن الخليج واحد، وأن استقرار أي دولة خليجية ينعكس على الجميع.

لذلك كان من أوائل الداعمين لفكرة العمل الخليجي المشترك، وقد أسهم بحكمته في ترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، واضعاً مصلحة المنطقة فوق أي اعتبار.

كان يرى أن العلاقات بين الأشقاء يجب أن تبنى على الثقة، وأن الخلافات مهما تعقدت تبقى أقل من حجم الروابط التي تجمع أبناء الخليج.

على المستوى العربي، حمل الشيخ زايد، عليه رحمة الله، قضايا الأمة في وجدانه، ووقف إلى جانب الأشقاء في أوقات الشدة قبل الرخاء.

لم يكن دعمه سياسياً فقط، وإنما كان إنسانياً وتنموياً أيضاً، انطلاقاً من إيمانه بأن التضامن العربي لا يكتمل بالشعارات، وإنما بالفعل والعطاء والمواقف.

لذلك بقي اسمه حاضراً في ذاكرة شعوب عربية كثيرة، ليس لأنه تحدث عنها، وإنما لأنه وقف معها حين احتاجت إلى من يقف إلى جانبها، ويقدم لها الدعم الذي تحتاجه.

أما البعد الإنساني في شخصية الشيخ زايد، عليه رحمة الله، فهو أكثر ما جعل سيرته تتجاوز حدود الجغرافيا.

إذ امتدت مشاريع الخير في عهده إلى كل أنحاء المعمورة، تحمل الغذاء والدواء والمستشفيات والمدارس، دون تمييز بين شعب وآخر، أو دين وآخر، أو لون وآخر.

كان يقول إنّ الثروة نعمة من الله، وواجبها أن تعود بالنفع على الإنسان حيثما كان. هكذا أصبح اسم زايد مرادفاً للعطاء، كما أصبحت الإمارات نموذجاً للدولة التي تجعل العمل الإنساني جزءاً أصيلاً من هويتها.

واليوم، وبعد مرور ستين عاماً على تلك اللحظة التاريخية، لا تستحضر الإمارات ذكرى قائدها المؤسس بوصفها مناسبة للاحتفاء بالماضي فقط، وإنما بوصفها فرصة لتجديد العهد مع المبادئ التي قامت عليها الدولة.

فما تشهده دولة الإمارات من تطور في مختلف المجالات، وما تحققه من حضور عالمي مؤثر، ليس انفصالاً عن فكر الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وإنما امتداد طبيعي للرؤية التي وضع أسسها منذ ستة عقود.

إن النهج الذي تحدث عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليس مجرد وفاء لذكرى قائد عظيم، وإنما هو التزام بمسار أثبت نجاحه عبر الزمن.

نهج يقوم على بناء الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز التسامح، والانفتاح على العالم، ومد يد العون لكل محتاج، والعمل من أجل السلام والاستقرار والتنمية. ستون عاماً مرت منذ أن تولى الشيخ زايد، رحمه الله، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي، لكن الزمن لم يزد مشروعه إلا رسوخاً، ولم تزد الأيام رؤيته إلا وضوحاً.

فالرجال العظام قد يرحلون بأجسادهم، أما أفكارهم فتظل حية ما دامت تتحول إلى مؤسسات، وقيم، وسياسات، وأجيال تؤمن بها.

وهذا هو سر زايد؛ أنه لم يورث الإمارات ثروة فقط، وإنما أورثها نهجاً، وما دام هذا النهج حياً، فإن مسيرة الإمارات ستبقى ماضية بثقة نحو المستقبل، مستلهمة رؤية المؤسس، ومواصلة مسيرته جيلاً بعد جيل.