لعقود طويلة قاومت كل محاولات تشجيعي على إجراء الحجامة، لسبب بسيط، هو رفضي أن أسلم نفسي لشخص غير مختص أو غير مرخص.. لكنني تراجعت عن ذلك عندما قرأت عن مركز الطب الإسلامي التابع لوزارة الصحة في الكويت، الذي يقدم الحجامة ضمن إطار طبي منظم.

حجزت موعداً، فاستقبلتني رئيسة المركز، ورافقتني طوال رحلة العلاج.

وقبل بدء الإجراء خضعت للفحوصات الطبية المعتادة، وأُخذ التاريخ المرضي، وقيست العلامات الحيوية، وشعرت كأنني في أحد المستشفيات الحديثة، ثم خضعت لأول تجربة كانت، بحق، تجربة مميزة من حيث نظافة التجهيزات، ودقة الإجراءات، وسلامة التعليمات، وسرعة الإنجاز.

مركز الطب الإسلامي في الكويت يعد من أوائل المراكز الحكومية المتخصصة في المنطقة، وقد أنشئ في الثمانينيات بتبرع سخي من رجل الأعمال الكويتي يوسف المرزوق وزوجته لولوة النصار، بهدف تقديم ممارسات الطب التكميلي مثل الحجامة والعلاج بالإبر الصينية وغيرها، داخل بيئة صحية خاضعة للرقابة الطبية، تجمع بين سلامة الممارسة والإشراف العلمي.

وبحسب ذاكرتي، لم يكن آنذاك تابعاً رسمياً لوزارة الصحة، ربما لأسباب تنظيمية أو أخرى مرتبطة بتردد المهنيين في تبني الطب البديل رسمياً.

عادت هذه التجربة إلى ذهني عندما قرأت خبراً مبهجاً عن زيارة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي في أبوظبي.

ويضم المجمع مختبرات بحثية متخصصة، ومعشبة وطنية لحفظ النباتات الطبية، وموسوعة علمية للنباتات الإماراتية، إلى جانب منظومة لإدارة المعرفة والبحوث.. وما يميزه أنه لا يكتفي بحفظ التراث، بل يعمل على تحويله إلى معرفة علمية قابلة للدراسة والتطوير، ليصبح مرجعاً وطنياً متخصصاً في هذا المجال.. وأدركت أن هذا المجمع يستحق الزيارة والاطلاع، وسأقوم بذلك في أقرب فرصة.

وأكثر ما لفت انتباهي في الخبر الحديث هو الجهود المبذولة لدراسة النباتات الطبية المحلية، وإجراء بحوث ودراسات سريرية، وبناء قاعدة علمية تستند إلى الأدلة، بدلاً من الاكتفاء بالروايات المتناقلة أو الخبرات الشعبية غير الموثقة.

وربما أكبر معضلة تواجه الطب التقليدي اليوم، سواء لدى الأطباء أو عامة الناس، ليست بالضرورة رفض فكرته، وإنما غياب الأدلة العلمية الكافية التي تميز بين ما هو نافع وما هو مجرد اعتقاد شائع.. فكثير من الممارسات الشعبية قد تحمل فوائد حقيقية، لكنها تحتاج إلى دراسات منهجية تثبت فاعليتها وتحدد جرعاتها وآثارها الجانبية والحالات المناسبة لاستخدامها.. وهذا بالضبط ما تسعى إليه مؤسسات رائدة مثل مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي في الإمارات، ومركز الطب الإسلامي في الكويت، كل بحسب طريقته وحاجات المجتمع.

وحبذا لو بدأت كل هذه المراكز في شتى الأقاليم العربية في تنظيم مؤتمرات سنوية، يتبادلون فيها مع بلدان أخرى متقدمة أحدث الدراسات والممارسات، فضلاً عن توقيع مذكرات تعاون بينها لتطوير جهودها في خدمة الطب التقليدي وتطويره.. لا شك أن كل مركز لديه ما يميزه عن غيره، فتصبح فكرة المؤتمرات السنوية والندوات الجماهيرية فرصة لمعرفة ماذا ينقص كل مركز، وهي كذلك مناسبة في نشر الوعي وأحدث المعلومات العلمية عن الطب التقليدي.

كانت المنطقة العربية مهد الحضارات، وظلت لقرون قبلة الأمم، فلا شك أن من عاشوا على أرضها وجدوا في خيراتها ونباتاتها وبيئاتها المتنوعة ما يقدم لهم حلولاً لمشكلاتهم الصحية والحياتية تستحق عناء التنقيب والدراسة العلمية، خصوصاً بعد اتساع التعليم وارتفاع مستوى البحث العلمي وتنامي الإمكانات البحثية في منطقتنا.. وما ننجح في إثباته علمياً من علاجات سيكون قيمة مضافة، ليست لنا فحسب، بل للعالم أجمع إن أحسنا توثيقه وتطويره وترويجه.