فوجئت الأوساط الأكاديمية والعلمية في منطقة الخليج والجزيرة العربية مؤخراً (وتحديداً في 18 مايو 2026) برحيل القامة الأكاديمية الرفيعة الدكتور عبداللطيف بن ناصر الحميدان عن عمر ناهز 92 عاماً، والذي قضى جل عمره دارساً وباحثاً ومعلماً ومنقباً في كتب التاريخ قديمه وحديثه، وناشراً لإصدارات نفيسة عن الفترات المجهولة في تاريخ وطنه وأمته العربية.
كتب عنه صديقنا الأستاذ مشاري الذايدي في صحيفة الشرق الأوسط الدولية (8/3/2025) فوصفه بأنه «ناسخ كتب وصانع جواهر علمية» و«علم من أعلام المؤرخين العرب».
وخصصت له «المجلة العربية» في عددها الصادر في مارس 2025 حيزاً واسعاً، للحديث عن حياته وانشغالاته وآثاره العلمية بقلم تلميذه سليمان بن أحمد التركي، الذي أفصح أن ما دعاه للكتابة عن أستاذه الحميدان هو أن الأخير «كان عازفاً عن الأضواء، زاهداً في الظهور الإعلامي ومناسبات التكريم، معرضاً عن تدوين سيرته ومذكراته، بل يشتد حياؤه حين يسمع حديث الناس عنه».
ومما جاء في حديث الكاتب أن الحميدان «نذر نفسه للعلم والبحث والتقصي في الفترات المجهولة ما بين القرن السابع إلى التاسع الهجري من التاريخ وخصوصاً في شرق الجزيرة والخليج، مستعيناً بالعديد من المصادر المختلفة كعادة الباحثين الجادين ممن يعودون للمصادر الأولية بلغتها، فاستطاع أن يزود المكتبة الخليجية والعربية على مدى ما يزيد على نصف قرن ببحوث ومؤلفات أضاءت الطريق أمام جيل من الباحثين لاكتشاف الحلقات المفقودة في حقب التاريخ، وتركت أثراً عالقاً».
أما مهند المبيضين فقد أشار في مقاله عن الحميدان بمجلة «المجلة» (25/5/2026) إلى سمة تميز بها الرجل عن غيره من المؤرخين، فقال إنه: «كان ذا سمت متواضع، متعمداً بمحراب العلم، لم يُقدم فتاوى تاريخية، ولم يُعد دراسات مغلفة بقوالب الأيديولوجيا، بل ظل ملتزماً وقّار العلماء العارفين، فحضر في محافل العلم بألق وخَفر جلي.
مبتعداً عن كل ضوء لا يناسبه سطوعه، متجنباً أي معارف بشرية زائدة عن الحاجة والفائدة العلمية، بيد أنه كان دائم الاستزادة من معارف المكتبات العربية، ودور الأرشيف الأجنبية والعربية والأرشيف العثمانية.
لذلك جادت أعماله البحثية، التي صاغها بكل علمية وحياد، وكذلك الرسائل التي أشرف عليها، فتوجته متميزاً وفريداً في صنعته كونه مؤرخاً صاحب رؤية ومسار معرفي، وتجربة لم تجعل التاريخ مكاناً للندب والاحتفاء بالرموز والمعارك وحسب، بل أبحر في لجاجه، ليخرج منه صوت المجتمعات، وتجاربها المتعددة في الحكم والاقتصاد والتنظيمات وما يستحق التدوين».
ولد عبداللطيف بن ناصر بن أحمد بن ناصر بن إبراهيم بن عبدالعزيز الحميدان المكنى بـ«أبوخالد» في حي الزهيرية بمدينة الزبير في جنوب العراق في عام 1934، ابناً لأسرة نجدية من جلاجل بإقليم سدير، كانت قد نزحت إلى الزبير قديماً لأسباب اقتصادية ومعيشية كغيرها من آلاف الأسر النجدية، التي انتقلت إلى هناك فأسست حينذاك ما يشبه مشيخة نجدية في قلب الجنوب العراقي.
في الزبير امتهنت أسرته التجارة التي منحتها وجاهة ومنزلة اجتماعية مرموقة بين السكان، خصوصاً أنها وجهت عناية خاصة بتعليم أبنائها، فحاز العديد منهم الشهادات الجامعية منذ أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، فوالده ناصر بن أحمد الحميدان كان تاجراً معروفاً من تجار الحبوب والتمور في البصرة.
وكان متعلماً ومتابعاً للمجلات والصحف، وصاحب علاقات تجارية مع نظرائه التجار في الخليج والهند ونجد، كما أن والده، ومن قبله جده، كانا وكيلين للشقيقين سليمان وعبدالرحمن ابني الوجيه حمد البسام في إدارة أملاكهما الزراعية في البصرة.
وهكذا نجد أن المترجم له نشأ في بيت علم وثقافة وتجارة وجاه، وفي ظل بيئة نجدية محافظة داخل العراق، وبما أن والده كان متابعاً للصحف والمجلات، وبما أن شقيقه الأكبر إبراهيم كان هو الآخر قارئاً نهماً يجلب إلى المنزل كتب الأدب ودواوين الشعر والروايات والصحف العربية والإنجليزية.
فكان من الطبيعي أن يتأثر بهما الصغير عبداللطيف، وينجذب منذ صباه المبكر إلى القراءة، إذ راح، بعد أن أجاد القراءة والكتابة في الكتاتيب، يقرأ للزيات والعقاد وجبران والرافعي وميّ زيادة، ولغيرهم من رموز الأدب العربي، بل امتدت قراءاته إلى الأدب الأجنبي المترجم إلى العربية.
بدأ الحميدان تعليمه في الكتاتيب التقليدية ككل مجايليه، فتعلم القراءة والكتابة والفقه وبعض القصائد والأناشيد، وهو دون السادسة، على يد إبراهيم محمد الرماح في ملحق مسجد الزهيرية، الذي كان يؤم فيه الناس للصلاة.
بعد ذلك التحق بمدرسة طلحة الابتدائية بالزبير في مقرها القديم بقصر الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف الزهير (آخر من تولى مشيخة الزبير من أسرة الزهير)، وكان ممن زاملهم آنذاك في المرحلة الابتدائية الدكتور مصطفى بن علي الرشيد الدغيثر (أحد علماء البيئة السعوديين) والدكتور داوود بن يوسف الفداغ (أول طبيب نجدي يتخرج من كلية الطب الملكية في بغداد).
بعد تخرجه من الابتدائية التحق بالمدرسة الإعدادية المركزية في البصرة، فدرس بها السنة الأولى فقط، وأكمل السنتين الأخريين في متوسطة الزبير للبنين التي تخرج منها في عام 1950، ليلتحق بعده بمدرسة الملك فيصل (ابن الحسين بن علي) الثانوية في البصرة.
ويتتلمذ فيها على أيدي أعلام مثل العالم النجدي الدكتور يعقوب بن عبدالوهاب الباحسين والأديب والقاص البصري محمد عبدالوهاب، ويزامل بها أيضاً من صاروا أعلاماً لاحقاً مثل المحقق المعروف الدكتور محسن غيّاض (أستاذ الأدب في جامعات بغداد وأم القرى والإمارات).
ويذكر الذين كتبوا عنه أن وجوده في البصرة للدراسة في تلك الفترة الزاهية من العهد الملكي أتاح له مجالاً واسعاً للإطلاع والتثقف الحر من خلال التردد على المكتبات العامة والتجارية، وحضور الأمسيات الشعرية وفعاليات الأندية الأدبية.
وحينما جاء وقت التحاقه بالجامعة كان من الطبيعي أن ينتقل إلى بغداد حيث الجامعة وكلياتها المتنوعة.
فسافر إلى هناك، واختار أن يدرس التاريخ كونه تخصصاً في دار المعلمين العالية (إحدى أقدم مؤسسات التعليم العالي في العراق)، والسبب هو أنه اعتاد منذ صغره أن يرتاد مجالس أسرته يومياً.
فكان يستمع إلى أحاديث وحكايات وروايات حول الشؤون والمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب صور من تاريخ الزبير السياسي وحكامها ومشيخاتها ونزاعاتها، الأمر الذي جعله يستهوي التاريخ، ويقتنع به كونه تخصصاً في المستقبل.
وكما في مراحله الدراسية السابقة كان من حسن حظه أنه درس في كلية المعلمين على يد ثلة من فطاحلة العراق من أمثال الدكاترة علي الوردي ومصطفى جواد وعبدالعزيز البسام وعبدالعزيز الدوري وصالح العلي وطه باقر، فاستفاد منهم كثيراً في تكوينه العلمي، ولا سيما لجهة مناهج البحث والكتابة والتفكير.
كما استفاد كثيراً من أجواء بغداد الثقافية ومكتباتها الشهيرة في شارع المتنبي. من جانب آخر أحسن صنعاً بالتركيز على دراسته وهواياته، وعدم الالتفات إلى ما كان يجري وقتذاك في العراق الملكي من تجاذبات سياسية وصراعات أيديولوجية، والاكتفاء بمراقبة سير الأحداث دون الانخراط فيها، وقد صدق حينما كتب بنفسه عن تلك الأيام قائلاً: «كنت في النار ولم أحترق».
بعد تخرجه من كلية المعلمين حاملاً بكالوريوس التاريخ، بدأ حياته المهنية مباشرة، فعمل معلماً بمعهد المعلمين في البصرة لمدة أربع سنوات، وكان أول راتب تقاضاه هو 30 ديناراً. انتقل بعدها للعمل قرابة السنتين مدرساً في إحدى مدارس مدينة بقيق النفطية السعودية.
في هذه الآونة جاءه القبول من معهد الدراسات العليا الإسلامية بالقاهرة لاستكمال دراسته العليا والحصول على درجة الماجستير في التاريخ، فاستقال من وظيفته وسافر إلى مصر للدراسة على نفقته الخاصة، ونجح في الحصول على مراده في عام 1966.
كانت سنواته القاهرية خصبة جداً. يقول تلميذه سليمان التركي في المجلة العربية (مصدر سابق) عن هذا المنعطف في مسيرة الحميدان أنه «توسع فـــــي الدراســـــة والبحث، والاطلاع والقراءة، وعقد أثناء دراسته الصلات مع لفيف من العلماء والمؤرخين، وأفاد من صحبتهم.
وتعرف من خلالهم على عدد من المكتبات العامة والخاصة، وتمكن من تصوير واستنساخ مئات من الوثائق العثمانية والمخطوطات وسجلات المحاكم الشرعية، التي استند إليها في بعض مؤلفاته وبحوثه، وناولها بأريحيته المعهودة مَنْ قصده من الباحثين والدارسين».
بعد نيله درجة الماجستير تمّ تعيينه محاضراً بجامعة البصرة، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً، إذ تركها بعد فترة وجيزة، ليرحل في إجازة دراسية إلى بريطانيا من أجل نيل درجة الدكتوراه، التي حصل عليها بالفعل من جامعة مانشستر في عام 1975 عن أطروحة بعنوان «التاريخ السياسي والاجتماعي لبغداد والبصرة من 1479 إلى 1888» تحت إشراف أستاذه المستشرق المعروف كليفورد بوزورث.
ويذكر أن الحميدان زامل في مرحلته المانشسترية بعض الأعلام مثل الدكتور سليمان العسكري، الأمين السابق للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، والدكتور عبداللطيف الحسن، كبير القانونيين في شركة سابك السعودية، والدكتور سليمان الغنام، عميد كلية الآداب بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والأكاديمي الكويتي الدكتور زيد الزيد المنيفي.
في أعقاب حصوله على الدكتوراه عمل بضع سنوات أستاذاً للتاريخ فرئيساً لقسمه بكلية الآداب في جامعة البصرة، وعضواً في مجلس الكلية وهيئة تحرير مجلة جامعة البصرة، قبل أن يقرر ترك العراق للاستقرار في موطن أجداده في نجد. وهناك تم تعيينه أستاذاً بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الملك سعود في الرياض، ثم أصبح رئيساً للقسم.
وهكذا واصل الرجل في الرياض أعماله في التدريس والتأليف، بل وأشرف على العديد من أطروحات الماجستير والدكتوراه، وشارك في أعمال عشرات المؤتمرات والمنتديات العربية والأجنبية ذات الصلة بتخصصه، وأسهم بحماس في شتى ألوان النشاط العلمي والمعرفي والبحثي على مدى 45 عاماً من حياته، وتخرجت على يده ثلة من الشخصيات التي واصلت مسيرتها العلمية نحو أعلى الشهادات وأصبحت أعلاماً يشار إليهم بالبنان.
إبان مسيرته المهنية شغل الحميدان، الذي عدّ واحداً من كبار المتخصصين بالتاريخ العثماني وتاريخ المشرق العربي والملمين باللغة التركية العثمانية، رئاسة أو عضوية العديد من المراكز والمجالس والاتحادات والجمعيات ومنها:
جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون، مركز الخليج العربي بجامعة البصرة، مجلس كليات البنات في عليشة، الجمعية التاريخية السعودية، واتحاد المؤرخين العرب.
كما أنه حرص بنفسه على زيارة عدد كبير من المكتبات ومراكز البحوث والأرشيفات والتوثيق والمخطوطات في لندن وباريس وروما ومدريد ولشبونة وبرلين ولاهاي وإسطنبول وأنقرة والقاهرة وبغداد ودمشق وأبوظبي وسيدني من أجل الاشتغال على بحوثه ومؤلفاته الغزيرة.
وللحميدان مجموعة كبيرة من المؤلفات والبحوث، التي راعى فيها الأسلوب الواضح المتين، والبعد عن الحشو، وعرض مختلف الآراء بحيادية، وتصحيح المختل منها، ومناقشتها بعقل منفتح، وتفسير وتحليل الأحداث والظواهر التاريخية بأمانة تامة، والابتعاد عن التقليد والتكرار، والحرص على نسب الأخبار والمعلومات إلى مصادرها وكتابها - وإن كان المصدر أحد تلامذته، وهو ما جعل مؤلفاته وبحوثه تستقبل بالترحاب والاهتمام الكبيرين.
من عناوين إصداراته: «تاريخ العرب الحديث»، «إمارة آل شبيب في شرق الجزيرة العربية»، «تاريخ البصرة والأحساء والقطيف»، «لمحات تاريخية عن إمارة العصفوريين»، «تاريخ مشيخة الزبير النجدية من النشوء إلى السقوط»، «تاريخ فتح بغداد وما رافقه من محن»، «صلة الدولة بالقبيلة منذ العصر العباسي المتأخر حتى القرن العاشر الهجري»، «السياسة والمجتمع في تاريخ العراق الحديث المبكر»، «ولاية البصرة تحت التبعية العثمانية الاسمية»، «السلطة الجبرية في اليمامة وبلاد البحرين وعمان»، «العراق في ولاية حسن باشا وابنه أحمد باشا»، وغيرها.