إن الترشيد في الإنفاق قيمة حضارية رفيعة، تكشف عن وعي الإنسان بذاته، وإدراكه لمقدار ما بين يديه من نعم، وحسن تدبيره لما آتاه الله من موارد وأرزاق، فالمال قوام المعاش، وأمانة يجب حفظها وصونها، والإنسان الواعي هو الذي يزن حاجاته بميزان دقيق، ويقدم الضروري على الكمالي، ويجعل لكل درهم موضعه الذي يستحقه، وإن المجتمعات الراقية تدرك أن الاستهلاك الرشيد باب من أبواب الاستقرار، تُبنى عليه بيوت آمنة، وتقوم في ظلاله أسر هانئة، وتزدهر بفضله اقتصادات قوية متينة، فالمجتمعات تُبنى بالتدبير، وتصان بالتقدير، وترتقي بحسن إدارة الموارد وترشيدها.
ولقد جاءت شريعتنا السمحة بمنهج القصد والاعتدال في كل شيء، فجعلت الوسطية سمة أهل الإيمان، وأثنت على من أحسن التصرف في ماله، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}، وقال سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وفي هذا الهدي الرباني دلالة على أن حفظ النعمة عبادة، وأن حسن التصرف فيها شكر عملي، ينعكس في السلوكيات اليومية الإيجابية.
والناظر في واقع بعض الأسر يجد أن من أسباب الضيق المالي غياب التخطيط، وارتجال القرارات الشرائية، والانسياق خلف رغبات عابرة تلح على النفس في لحظتها، ثم تتحول إلى أثقال ترهق الميزانية، ومن هنا تبرز أهمية أن يضع الإنسان خطة واضحة لدخله ومصروفاته.
ومع تغير وجه العالم في العصر الحديث، وتغير ملامح الأسواق اليوم أصبح الشراء متاحاً بلمسة واحدة في أي وقت، ومن أي مكان، وباتت العروض والتخفيضات والرسائل الترويجية تلاحق الإنسان في هاتفه وشاشته ليل نهار، وهي مصممة لتستثير الرغبات، ومن هنا كان الوعي الاستهلاكي درعاً واقية، يبدأ بسؤال بسيط يوجهه المرء إلى نفسه قبل كل عملية شراء: هل أحتاج هذا فعلاً؟ ومما يساعد على الترشيد التريث قبل الشراء ومقارنة الأسعار وقراءة تفاصيل المنتج، والابتعاد عن الشراء في لحظات الضجر أو الحماس.
ومن أبواب الإسراف التي ينبغي تجنبها كذلك ما يقع على موائد الطعام، فقد تفيض الأطباق عن الحاجة، وقد تُعد الولائم بأضعاف ما يكفي، ثم يذهب جزء غير قليل منها هدراً، وفي ذلك إهدار للنعمة وإتلاف للمال والجهد، والأسرة التي تشتري بقدر ما تأكل، وتحفظ ما بقي، وتوزع ما زاد، تكون قد جمعت بين حسن التدبير وكرم العطاء.
وفي بيئتنا التي وهبها الله شمساً ساطعة وصحراء ممتدة يغدو ترشيد الماء والطاقة واجباً وطنياً وإنسانياً، فقطرة الماء تُصنع بجهد كبير وتقنيات متقدمة قبل أن تصل إلى البيوت صافية عذبة، وكذلك الكهرباء التي تضيء الدور وتلطف الأجواء، وإن إغلاق الصنبور أثناء الوضوء، وإصلاح التسريبات فور اكتشافها، وضبط درجات التبريد على الحد المريح، وإطفاء ما لا يحتاج إليه من أجهزة وأنوار، سلوكيات صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، تتضاعف حين يمارسها المجتمع كله، فتوفر على الوطن موارد هائلة، وتخفض على الأسرة فواتيرها، وتحفظ للأجيال القادمة نصيبها من هذه الثروات.
وهنا يأتي دور الأسر في غرس هذه القيم في نفوس الناشئة، فالطفل الذي يتعلم مبكراً كيف يدخر جزءاً من مصروفه، وكيف يفاضل بين الأمور، وكيف ينتظر ليحصل على ما يريد، ينشأ راشداً في تفكيره، قادراً على إدارة شؤونه حين يكبر، متحرراً من ضغط المقارنات والمظاهر، والقدوة العملية هنا أبلغ من كل موعظة، فحين يرى الأبناء آباءهم يحفظون النعمة، ويصلحون ما يمكن إصلاحه، ويقنعون بما لديهم، ويضعون الخطط المالية الرشيدة تترسخ في نفوسهم ثقافة الاعتدال والحكمة والاستهلاك الرشيد.
وحين نتأمل مسيرة دولة الإمارات نجد أن نهج الترشيد حاضر في رؤيتها ومشاريعها واستراتيجياتها، فقد جعلت الاستدامة ركيزة أساسية في تخطيطها، واستثمرت في الطاقة النظيفة، وأولت الأمن الغذائي والمائي عناية بالغة، وأطلقت المبادرات التي تعزز ثقافة الاستهلاك الواعي في المجتمع، إيماناً من قيادتنا الحكيمة بأن الإنسان محور التنمية وغايتها، وأن رخاء الأوطان يُصان بحسن إدارة مواردها، وأن ما نحفظه اليوم هو رصيد أبنائنا غداً، ومن هنا يصبح ترشيد كل فرد لاستهلاكه إسهاماً حقيقياً في هذه المسيرة المباركة، ولبنة في بناء وطن يمضي نحو مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة.