هذه التوسعات ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، بل هي امتداد طبيعي لمسار طويل بدأ قبل سنوات، حين أدركت الإمارات أن مستقبل الملاحة العالمية يحتاج إلى ممرات آمنة خارج نطاق التوترات الجيوسياسية، وأن بناء قدرات بحرية متقدمة، هو جزء من مسؤوليتها الدولية تجاه حركة التجارة العالمية.
واليوم، ومع ما يشهده مضيق هرمز من أحداث مؤسفة، وتقييد للملاحة، وتحديات متكررة، تبدو هذه الموانئ أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تقدم للعالم بديلاً عملياً يضمن استمرار تدفق السلع والطاقة دون تعطّل أو مخاطر إضافية، وتؤكد أن الإمارات كانت تقرأ المستقبل مبكراً، حين استثمرت في موانئ خارج المضيق، قادرة على العمل بكفاءة في أصعب الظروف.
وقد تشرفت في ذلك العام، بصفتي الوزير المعني بقيادة الجهود والإشراف على هذا الملف الحيوي، الذي جمع بين العمل الدبلوماسي والجهد المؤسسي، والدعم الوطني، والسمعة الطيبة التي بنتها الإمارات خارج حدودها عبر عقود من العمل المتوازن والمنفتح.
كان واضحاً أن الإمارات تدخل المنافسة بوصفها دولة علم، ودولة ميناء في آن واحد، دولة تمتلك أسطولاً مسجلاً بمعايير عالمية، وتدير موانئ تُعد من بين الأكثر تقدماً في المنطقة، وتقدم نموذجاً في الالتزام بالقوانين البحرية الدولية.
فالعالم البحري تحكمه قوانين ملزِمة، تصدر عن المنظمة، وتؤثر مباشرة في تشغيل الموانئ، وإدارة الأساطيل، وحماية البيئة البحرية، وضمان سلامة السفن.
والوجود في المكتب التنفيذي يعني أن الإمارات ليست متلقية لهذه القوانين، بل مشاركة في صياغتها، ومطّلعة على تفاصيلها قبل صدورها، وقادرة على حماية منجزاتها البحرية من أي تشريعات قد لا تراعي خصوصية المنطقة أو مصالح الدولة.
لقد كان هذا الوعي الاستراتيجي أحد أسباب إصرار الإمارات على الفوز بالمقعد التنفيذي، وأحد أسباب نجاح الحملة التي قادتها الدولة في ذلك العام، لأن الإمارات كانت تدرك أن مستقبل موانئها، وأساطيلها، وموقعها الجغرافي، يتطلب حضوراً فاعلاً في المؤسسة الدولية التي تصنع قواعد الملاحة العالمية.
خبراء ومهنيون من عشرات الجنسيات تحدثوا مع وفود دولهم الأصلية عن تجربتهم في الدولة: عن بيئة عمل عالمية، وعن دولة احتضنتهم واحترمت تخصصاتهم، وعن نموذج إنساني واقتصادي جعلهم يشعرون بأنهم جزء من قصة نجاح أكبر.
كانت شهاداتهم الصادقة أكثر تأثيراً من أي خطاب رسمي، لأنها جاءت من تجربة إنسانية مباشرة، ولأنها عبّرت عن نموذج الإمارات الذي يجمع العالم على أرضه، ويمنح الجميع فرصة للمساهمة في مسيرته التنموية.
لقد كان هذا التنوع البشري أحد أسرار نجاح الحملة، وأحد عوامل بناء الثقة الدولية في ملف الدولة، وأحد الأدلة العملية على أن الإمارات دولة عالمية في تكوينها؛ قبل أن تكون عالمية في طموحها.
وجودها في عشرات الدول منح الإمارات مصداقية إضافية، وجعل الدول الأعضاء ترى في الدولة نموذجاً ناجحاً في التشغيل البحري، وليس مجرد دولة تطمح إلى مقعد تنفيذي.
لقد كانت Dubai World الذراع التي حملت الثقة إلى العالم، وقدمت للإمارات صورة دولة تمتلك خبرة تشغيلية عالمية، وليست مجرد بنية تحتية محلية، وهو ما عزز موقف الدولة في المنظمة البحرية الدولية، وأكد أن الإمارات ليست دولة تتحدث عن البحر، بل دولة تعمل فيه وتؤثر في مساراته.
واليوم تقوم هذه المؤسسة الوطنية بالاستثمار في رفع كفاءة موانئ الفجيرة.
فالموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز أصبحت نقاط ارتكاز للتجارة العالمية، في ظل الأحداث المؤسفة التي يشهدها المضيق، وما بُني قبل سنوات، أصبح اليوم ضرورة دولية.
هذه التوسعات تعزز قدرة الدولة على استقبال خطوط شحن بديلة، وتخفيف الضغط عن الممرات المتأثرة، ودعم استقرار التجارة الدولية، وهي أهداف تتوافق تماماً مع توجهات المنظمة البحرية الدولية التي كانت الإمارات جزءاً من قيادتها التنفيذية.
كما تؤكد أن الإمارات، بوصفها دولة علم ودولة ميناء ودولة ساحل، تمتلك مسؤولية مضاعفة في حماية الممرات البحرية، وفي تقديم نموذج عملي للدول التي تعتمد على البحر في تجارتها واقتصادها.
واليوم، تتجدد تلك اللحظة عبر مشاريع توسعة، تعزز مكانة الدولة كقوة بحرية عالمية، وتؤكد أن الإمارات دولة تُصنع قوتها من الإنسان، ومن الميناء أيضاً، وأن وجودها في المكتب التنفيذي ليس امتيازاً بروتوكولياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية منجزاتها البحرية، والاطلاع المباشر على القوانين الملزِمة التي تشكل مستقبل الملاحة العالمية، خصوصاً في منطقة تتعرض لتحديات متكررة، مثل مضيق هرمز.