في العمل الإعلامي معادلة من ركنين، هما السبق الصحافي والمصداقية. ونادراً ما تستطيع وسيلة إعلامية تحقيق تلك المعادلة بشقيها، لأنهما يحتاجان إلى توازن دقيق، يشبهها البعض كمن يسير على حبل مشدود، ولكن ليس مستحيلاً.

«السبق الصحافي»، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب، هو الأكثر تشويقاً، لأنه الأقدر على جذب المتابعين، وعلى اختراق الحدود الجغرافية في الانتشار، إلا أنه في أحيان كثيرة له مخاطره وتأثيراته السلبية، لو لم يكن الخبر صحيحاً، أو أنها كانت شائعة.

الجاذبية تلك، تزداد عندما يتعلق الأمر بمدينة عالمية مثل إمارة دبي، التي تتصدر وجدان اهتمام الرأي العام العالمي في مختلف المجالات الحياتية. ويترصدها (دبي)، كذلك، البعض الآخر ممن ينافسون تجربتها ويخيفهم صعودها وبروزها الدولي كمدينة حيوية لا تعرف المستحيل، هدفها التنموي خدمة للإنسانية.

أما «المصداقية الإعلامية»، وهي الركن الثاني من المعادلة الإعلامية، والتي يمكن اعتبارها «جوهرة» العمل الصحافي في زمن عولمة الإعلام، وفي زمن انتشار «ظاهرة المواطن الصحافي»، وبالتالي، بناء هذه المصداقية أو السمعة يحتاج إلى زمن طويل جداً، يصل لعقود من الزمن، وإلى جهد حثيث من العاملين في المؤسسات الإعلامية، حتى تصل إلى هذه المكانة، من خلال نقل الأخبار الصحيحة والصادقة، حتى تصل الوسيلة إلى درجة «المصدر الموثوق».

حادثة خبر وكالة «رويترز» للأنباء الأسبوع الماضي، والذي حمل محتوى «شهود: سماع دوي قوي في وسط مدينة دبي»، والذي أعادت نشره العديد من وسائل الإعلام العالمية، بعضها عربية واسعة الانتشار، لفتت الأنظار، ونبهت إلى أن «السبق الصحافي» صار مرضاً مُعدياً، لا يقتصر فقط على وسائل الإعلام الحديث، وإنما بات يُغري الإعلام التقليدي، الذي يُفترض أنه أكثر رصانة ومصداقية، خاصة أثناء الفوضى الإعلامية.

العادة أن «أزمة المصداقية الإعلامية» تهمة موجهة إلى الإعلام العربي، وتناقشه المنتديات الإعلامية على هذا الشكل تحت مبررات كثيرة، منها أن الإعلام العربي غير حيادي، وأحياناً أخرى لغياب الحريات في هذه الدول. وفي المقابل، غالباً، ما كان يتم تبرئة وسائل الإعلام الغربي، خاصة تلك التي لديها شهرة عالمية في المصداقية بعيدة عن هذه الأزمة.

جاءت سقطة وكالة «رويترز» للأنباء، لتؤكد أن المصداقية الإعلامية «أزمة» في العالم، تحتاج إلى مراجعة القائمين على الإعلام، حالها كحال الكثير من العمل الدولي، حتى لا تنتشر الفوضى، من خلال تساقط المؤسسات العتيدة، التي تعتبر مرشداً وموجهاً لباقي المؤسسات العاملة في هذا المجال.

لهذا يفضل عدم التساهل أو التسامح مع الإساءات الإعلامية التي باتت تتكرر، وإلا سنجد كثيرين من يستسهلون الأخذ بمنطق السبق الصحافي، التي أثبتت أن تداعياتها السلبية كبيرة على عمل الحكومات في العالم، خاصة التي لديها أهداف تنموية لخدمة البشرية.

وحادثة وكالة «رويترز» للأنباء ليست الأولى على مستوى مؤسسات إعلامية كبرى، يُفترض منها المصداقية والحيادية الإعلامية، حيث ما زلنا نتذكر في بداية الحرب التي نعيشها حالياً، عندما انتشرت «رسالة نصية» لوسيلة إعلامية شهيرة، تطلب من الناس تصوير ما يحدث على الأرض من دمار نتيجة لعدوان النظام الإيراني، مقابل الحصول على مبالغ مالية يتم دفعها لهم، ما يؤكد أن «فيروس» التسابق الإعلامي يكاد يصيب الجميع.

صحيح، اعتذرت «رويترز» عن الخطأ، مبررةً ذلك بعدم استيفاء المعايير التحريرية المعتمدة فيها، ومسألة الاعتذار العلني ليست بتلك السهولة على مؤسسة أنشئت في 1851، ولها مصداقية في عالم الصحافة، إلا أن الاعتذار لا يمنع من استكمال إجراءات التحقيق من الجهات المسؤولة في الإمارات، حتى لا يكون «الاعتذار» الشماعة التي يستخدمها كل من يفكر في الإساءة لتجربة تنموية بُنيت بتعب وجهد حقيقيين.

الاعتذار بعد الخطأ لا يمحو الخطأ الذي وقع، ولا يزيل في كثير من الأحيان أثر الإساءة بسهولة، فالمسألة هنا متعلقة بسمعة قصة نجاح مرتبطة بالأمن والاستقرار اللذين هما محور أساسي في تجربتها.

لذا، فإن الدرس الذي قدمته إمارة دبي في رفع قضية ضد القائمين على وكالة «رويترز»، ليس فقط من أجل المزيد من التحقق حول الأسباب التي أدت لهذا الخطأ، وإنما لترسيخ «قاعدة ردع» بالمساءلة القانونية لمن يحاول الإساءة لها، فنحن في زمن التنافس الإعلامي على حساب الموثوقية في الخبر.