في كل صيف، تبحث المدن عن طرق للتكيُف مع إيقاع ارتفاع درجات الحرارة، لكن دبي اختارت أن تعيد التفكير في الإيقاع نفسه. لم تكتفِ بإعادة النظر في ساعات العمل، بل قدمت من خلال مبادرة «صيفنا مرن» نموذجاً مختلفاً في إدارة الزمن، نموذجاً يجعل الإنسان نقطة الانطلاق والغاية في آنٍ واحد. هنا، لا تُقاس كفاءة العمل بعدد الساعات، بل بقدرة الفرد على العطاء في الوقت الذي يكون فيه أكثر توازناً وصفاءً من الناحيتين النفسية والذهنية.

مبادرة «صيفنا مرن» تأتي منسجمة مع التوجه الحكومي العام في دولة الإمارات، والذي يوضحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه الموسوم: «تأملات في السعادة والإيجابية»، إذ يقول سموه تحت عنوان: «الحكومة الإيجابية سعادة للمجتمعات»: «الحكومة يعمل فيها بشر، وتعمل من أجل تطوير حياة البشر، وهدفها الأساسي سعادة هؤلاء البشر».

تُطبَّق مبادرة «صيفنا مرن» خلال الفترة من 29 يونيو إلى 10 سبتمبر 2026، من خلال نموذجين مرنين لساعات العمل في الجهات الحكومية بدبي، بما يحقق التوازن بين احتياجات الموظفين ومتطلبات العمل، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وكفاءتها.

ويعمل وفق النموذج الأول فريق بساعات عمل أقصر خلال الأسبوع مع دوام جزئي يوم الجمعة، فيما يعتمد النموذج الثاني نظام أسبوع عمل مكثف يتضمن عطلة يوم الجمعة، مع إتاحة تطبيق العمل المرن أو عن بُعد بحسب طبيعة كل جهة.

وقد جاءت هذه المبادرة استجابة لاحتياجات الموظفين خلال شهور الصيف، خصوصاً مع تزايد المتطلبات الأسرية في موسم الإجازات المدرسية، بعد أن خضعت لتجربة تطبيقية ناجحة منذ عام 2024، قبل تعميمها على مستوى الجهات الحكومية في صيف 2025، في خطوة تعكس توجهاً عملياً لتطوير بيئة العمل الحكومية انطلاقاً من تجربة الإنسان واحتياجاته.

هذه المبادرة في جوهرها ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل خطوة نحو إعادة تعريف العلاقة الرابطة بين الإنسان ووقته. فهي تطرح سؤالاً عميقاً: هل العمل هو الذي يحدد إيقاع الحياة، أم أن الحياة هي التي ينبغي أن تعيد تشكيل طبيعة العمل؟ من هذا السؤال يمكن تحديد 7 تحوّلات رئيسة، تعكس كيف يمكن لسياسة مرنة أن تُعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية، داخل بيئة العمل وخارجها على حد سواء.

أول هذه التحوّلات يتمثل في إعادة هندسة مفهوم الإنتاجية. فحين يُمنح الموظف مساحة لاختيار التوقيت الأنسب لأدائه، يصبح أكثر قدرة على التركيز والإبداع. في هذه الحالة، لم يعد الزمن قالباً ثابتاً، بل أداة مرنة تتشكل على وفق احتياجات الإنسان، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة العمل.

أمّا التحوّل الثاني، فيظهر خارج بيئة العمل، إذ تُسهم المرونة في تنشيط الحياة اليومية للمدينة. فحين تنتهي ساعات العمل في أوقات متفاوتة، تنبض الأماكن العامة بالحياة، وتتحول الأمسيات إلى فرصة للنشاطات الاجتماعية والثقافية. وهكذا، لا تبقى المدينة رهينة ساعات الذروة، بل تصبح ممتدة بالحيوية على مدار اليوم.

من زاوية أخرى، تحمل المبادرة بُعداً بيئياً غير مباشر. إذ إن تقليل التنقل في أوقات الظهيرة، وتخفيف الضغط على المرافق في ذروة ارتفاع درجات الحرارة، يفتح المجال لتقليل استهلاك الطاقة، ويمنح المدينة قدرة أكبر على التكيف مع تحديات المناخ. إنها مقاربة هادئة، لكنها عميقة الأثر في تعزيز الاستدامة.

في داخل المؤسسات، تظهر فائدة أخرى لا تقل أهمية، إذ تعمل على تحسين جودة القرارات. فالعقل المُرهق لا يُنتج قراراً متوازناً، بينما يتيح العمل في أوقات أكثر راحة فرصة للتفكير الهادئ والدقيق. وهنا، تتحول المرونة إلى أداة لرفع مستوى الأداء المؤسسي، وليس مجرد وسيلة لتخفيف الضغط.

كما تُسهم المبادرة في تعزيز مفهوم المدينة القابلة للعيش، ليس كشعار، بل كتجربة يومية. حين يجد الفرد وقتاً لأسرته، ولممارسة نشاطه البدني، ولتعميق أثر هواياته، يصبح أكثر ارتباطاً بالمكان الذي يعيش فيه. وهذا الارتباط هو ما يصنع مجتمعات أكثر استقراراً وتماسكاً.

ولا يمكن إغفال أثر هذه الخطوة في تعزيز جاذبية دبي للكفاءات من مختلف أنحاء العالم. ففي زمنٍ يبحث فيه كثيرون عن بيئات عمل أكثر إنسانية، تقدم الإمارة نموذجاً يوازن بين الطموح المهني وجودة الحياة. وهنا، لا تكون الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل جزء من أسلوب حياة متكامل.

ولعل البعد الأعمق في هذه المبادرة يتمثل في ترسيخ ثقافة الثقة. حين تمنح الجهات الحكومية هذا القدر من المرونة، فهي تفصح بشكل عملي عن إيمانها بقدرة الإنسان على إدارة وقته بمسؤولية. وهذه الثقة لا تعزز الأداء فحسب، بل تبني علاقة ناضجة بين الفرد والمؤسسة، قائمة على النتائج الميدانية لا على الحضور الشكلي.

ختاماً نقول: إن «صيفنا مرن» ليست مجرد مبادرة موسمية، بل هي انعكاس لرؤية أوسع ترى في جودة الحياة ركيزة للتنمية. إنها رسالة تقول إن التقدم لا يُقاس فقط بما تحققه المدن من إنجازات، بل بكيفية عيش الإنسان داخلها. وهكذا، تواصل دبي تقديم نموذجها الخاص: مدينة لا تكتفي بإدارة الوقت، بل تعيد صياغته ليصبح مساحة أرحب للحياة.