لم أذهب إلى الأندلس لأبحث عن جراح التاريخ. ذهبت إليها كما يذهب آلاف الزائرين؛ لأرى قصر الحمراء، وأتجول في أزقة قرطبة، وأقف أمام روائع العمارة التي شيدتها حضارة امتدت في هذه الأرض قرابة ثمانية قرون، لكنني اكتشفت أن بعض المدن لا تسمح لزائرها أن يبقى مجرد سائح.
في اليوم الأول وقفت أمام كنيسة جميلة، فقيل لي إنها كانت مسجداً. ابتسمت، ومضيت. وفي اليوم التالي تكرر المشهد، ثم تكرر في مدينة ثالثة ورابعة، حتى أدركت أنني لم أعد أقف أمام مبانٍ تاريخية فحسب، بل أمام سؤال كبير ما زالت الحجارة تحتفظ بإجابته.
منذ تلك اللحظة لم أعد أنظر إلى الجدران وحدها، بل إلى الذين عاشوا خلفها؛ إلى المصلين الذين عمروا تلك المساجد، وإلى الأطفال الذين تعلموا في ساحاتها، وإلى مجتمع كامل عاش هنا قروناً طويلة، ثم اختفى من المشهد، بينما بقي الحجر شاهداً صامتاً على ما جرى.
وأثناء تجوالي في مدن الأندلس، وجدت نفسي أعقد مقارنة لم أخطط لها قبل السفر. تذكرت بلاد الشام ومصر، التي دخلها المسلمون في القرن السابع الميلادي، وما بقي فيها حتى اليوم من كنائس وأديرة عريقة لا تزال تؤدي رسالتها الدينية بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، وتذكرت ما قررته النصوص الإسلامية من حماية دور العبادة، وما حفظته المصادر من عهود ووصايا تدعو إلى صيانة الكنائس وعدم التعرض للرهبان وإكراه الناس على تغيير عقائدهم.
لا يعني ذلك أن التاريخ الإسلامي خلا من الأخطاء؛ فكل حضارة عرفت لحظات قوة وضعف، وعدل وقصور. لكن المبدأ الذي قامت عليه تلك الفتوحات لم يكن محو هوية الشعوب، ولا إزالة دور عبادتها، ولا حملها على تغيير دينها بالقوة. ثم عدت ببصري إلى الأندلس.
فهنا تتحدث المصادر العربية والإسبانية والغربية عن مسار مختلف بعد سقوط غرناطة؛ مسار بدأت فيه مساجد كثيرة تتحول إلى كنائس، ثم تتابعت إجراءات التضييق على المسلمين، وصولاً إلى إجبار أعداد كبيرة منهم على اعتناق المسيحية، وملاحقة من ظل متمسكاً بإسلامه، حتى ظهر ما عرف بالموريسكيين، وانتهت القصة بطردهم من وطن عاش فيه آباؤهم وأجدادهم قروناً طويلة.
ولم يكن أكثر ما استوقفني تحول مسجد إلى كنيسة، فالمباني قد تتغير مع تغير الدول، أما الإنسان فهو الذي ينبغي أن تبقى كرامته مصونة، وحقه في الاعتقاد محفوظاً، مهما تبدلت موازين القوة.
وأنا أغادر الأندلس، لم أحمل معي صوراً فحسب، بل حملت سؤالاً ظل يرافقني طوال الطريق: كيف يتعامل المنتصر مع المهزوم؟ وهل تُقاس الحضارات بما تبنيه من قصور وجسور، أم بما تتركه للإنسان من حرية وكرامة بعد أن تمتلك القوة؟
ذلك السؤال لم ينتهِ بانتهاء الرحلة، بل كان بداية رحلة أخرى... رحلة في الكتب، والوثائق، والمخطوطات، والدراسات التاريخية. ولهذا بدأت العمل على مشروع كتاب جديد، أعود فيه إلى المصادر العربية والإسبانية والغربية، لأقرأ الأندلس كما ترويها الوثائق، لا كما تصوغها العواطف، ولأبحث عن الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها. فبعض الرحلات تنتهي عند العودة إلى الوطن.. أما رحلتي إلى الأندلس، فأعتقد أنها بدأت بعد العودة منها.