منذ فترة ليست بالبعيدة كانت قوة الدول تقاس بحجم اقتصاداتها، ومع مرور الزمن وتغير موازين التجارة بفعل التحولات الجيوسياسية، أصبح المعيار الأهم القدرة على حماية تدفقات التجارة وتأمين بدائل حيوية، ومن هنا تأتي أهمية الخطوات التي تتخذها الإمارات برؤية قيادتنا الرشيدة لتعزيز بنيتها البحرية واللوجستية، وفي مقدمتها مشروع إنشاء ميناءي الرغيلات ودبا الفجيرة بالشراكة بين مجموعة موانئ دبي العالمية وهيئة موانئ الفجيرة.

هذا المشروع بأبعاده يتعدى كونه ميناء جديداً، إذ يترجم على أرض الواقع النهج الذي يقف خلفه، نهج يحول المتغيرات إلى فرص، ويستثمر في المستقبل قبل أن تصبح الحاجة إليه ملحة، ويؤكد أن الإمارات لا تراهن على ظروف مستقرة فقط، بل تبني اقتصاداً قادراً على الصمود والنمو في مختلف الظروف.

نعم إنه مشروع يعكس رؤية تتجاوز مفهوم التوسع في الموانئ إلى بناء منظومة أكثر قدرة على التعامل مع متغيرات الاقتصاد العالمي، إذ إن الموانئ اليوم لم تعد مجرد نقاط عبور للسفن، بل أصبحت مراكز اقتصادية تؤمن كفاءة سلاسل الإمداد، وتمنح الدول ميزة تنافسية في بيئة دولية تتزايد فيها التحديات.

هذه الخطوة تأتي في مرحلة أثبتت فيها الأزمات الإقليمية والدولية أن استمرارية التجارة تحتاج إلى أكثر من موقع تجاري ناجح، وإلى تعدد المسارات وامتلاك خيارات مرنة، وقد كشفت تطورات المنطقة أهمية وجود منافذ بحرية قادرة على ضمان انسيابية حركة البضائع والطاقة بعيداً عن أي احتمالات للاضطراب.

هنا تتجلى أهمية الفجيرة التي تمثل موقعاً استثنائياً على خريطة الإمارات والعالم، فإطلالتها على بحر العرب جعلتها بوابة بحرية استراتيجية، ومع الاستثمارات المتواصلة تحولت ميزتها الجغرافية في منظومة الأمن الاقتصادي للدولة، إلى «رئة الإمارات» كما وصفها يوماً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ما يؤكد أن الإمارات لا تبني موانئ منفصلة، بل تؤسس شبكة لوجستية مترابطة تجعلها أكثر جاهزية للتعامل مع احتياجات الأسواق العالمية.

الفجيرة مع مشروع الرغيلات ودبا الفجيرة، تواصل تعزيز موقعها كأحد أهم مرتكزات القوة الاقتصادية الإماراتية، مؤكدة أن الاستثمار في الجغرافيا حين تدعمه الرؤية يصبح صناعة للمستقبل.