قبل أيام، وأنا أقود سيارتي في شوارع دبي متجهاً إلى عجمان، مروراً بالشارقة، لم يكن الطريق يشغلني بقدر ما كانت تشغلني الفكرة التي جعلت هذا الطريق ممكناً. في دقائق معدودة، أنتقل من إمارة إلى أخرى، دون أن يخطر ببالي أنني غادرت إمارة ودخلت أخرى. أسلك الطريق بكل بساطة، وكأنني أنتقل بين أحياء مدينة واحدة. مشهد اعتدناه حتى أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، لكنه يحمل في داخله قصة أكبر بكثير مما يبدو.

وفي تلك اللحظة، جال في خاطري ذلك العهد الذي سبق قيام الاتحاد. تساءلت: كم من الإنجازات العظيمة بدأت بكلمة؟ وكم من الأوطان بدأت بفكرة؟ وكم من الأحلام بقيت أحلاماً لأنها لم تجد رجالاً يوفون بما تعاهدوا عليه؟

عندها أدركت أن الاتحاد لم يبدأ يوم أعلن في الثاني من ديسمبر عام 1971، بل بدأ قبل ذلك، يوم اجتمع رجال آمنوا برؤية واحدة، وتعاهدوا على بناء وطن، ثم أوفوا بعهدهم. فالعهود ليست كلمات تقال في لحظة حماس، ولا توقيعات تحفظ في الأرشيف، وإنما مسؤوليات يحملها أصحابها حتى تتحول إلى واقع. ولذلك كان الوفاء بالعهد من شيم الرجال، وكان تنفيذ الوعد سجية لا يقدر عليها إلا من امتلك صفات القيادة، والريادة، والسؤدد. وبينما كانت عجلات السيارة تواصل سيرها على الطريق الذي يصل بين الإمارات، كنت أفكّر أن هذا الطريق لم يختصر المسافات فحسب، بل اختصر رحلة طويلة من التفرّق إلى الاتحاد، ومن الفكرة إلى الدولة. ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يحملها لنا عهد الاتحاد.

ففي الثامن عشر من يوليو عام 1971 لم يكن ما حدث مجرد توقيع على وثيقة، بل كان إعلاناً عن إرادة، واتفاقاً على مستقبل، وإيماناً بأن ما يجمع أبناء هذا الوطن أكبر من أي اختلاف، وأن المستقبل لا ينتظر، بل يصنع. لقد عرف التاريخ اتفاقات كثيرة بقيت حبراً على ورق، ووعوداً انتهت بانتهاء أصحابها، أما عهد الاتحاد فقد تحول إلى دولة، ثم إلى مسيرة، ثم إلى نموذج عالمي يشار إليه بالبنان. وهكذا كتب الآباء المؤسسون عهداً لم يبق في صفحات الوثائق، بل امتد في الطرق التي نسير عليها، وفي المدن التي نعمرها، وفي الوطن الذي نفاخر به العالم.

ولأن العهود العظيمة لا تعيش على الذكريات وحدها، كان لا بد أن تجد من يجددها جيلاً بعد جيل. وهذا ما نراه اليوم في ظل قيادة دولة الإمارات، التي جعلت من الوفاء لذلك العهد نهجاً للعمل، فواصلت البناء، ورسخت المكتسبات، وفتحت آفاقاً جديدة في التنمية والاقتصاد والابتكار واستشراف المستقبل. وأنا أواصل طريقي، أدركت أن ما نراه اليوم من طرق حديثة، ومدن نابضة بالحياة، ومطارات، وموانئ، وجامعات، ومستشفيات، لم يبدأ بالإسمنت ولا بالحديد، بل بدأ بعهد، بعهد قطعه رجال على أنفسهم، ثم أوفوا به. ولأن العهد كان صادقاً أصبح طريقاً، ثم أصبح وطناً، ثم أصبح تجربة تنظر إليها الأمم بإعجاب، لأنها أثبتت أن الكلمة حين تصدر عن رجال أوفياء، تتحول إلى إنجاز يغير وجه التاريخ.

وربما لهذا السبب، فإن الاحتفاء بعهد الاتحاد ليس احتفاء بذكرى مضت، وإنما احتفاء بقيمة باقية؛ قيمة أن الكلمة مسؤولية، وأن الوعد دين، وأن الرجال يعرفون بما أوفوا، لا بما قالوا. فالدول قد تبدأ بحدود ترسمها الخرائط، أما الأوطان، فإنها تبدأ بعهد يكتبه الرجال في ضمائرهم قبل أن يكتبوه على الورق.