لقد كانت الفتوى عبر تاريخ الحضارة الإسلامية منارة يهتدي بها الناس في شؤون دينهم ودنياهم، وأمانة عظيمة حملها العلماء الراسخون جيلاً بعد جيل، توارثوها بالتقوى والورع، وصانوها بالعلم والفهم، وأدركوا أنها توقيع عن رب العالمين، وأن المفتي يخبر عن حكم الله تعالى، فما كان أحدهم يجرؤ على القول في دين الله بغير علم، بل كانوا يتدافعون الفتوى، ويودّ أحدهم أن يكفيه إياها غيره، واليوم ونحن نعيش عصر الفضاء الرقمي المفتوح، الذي تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، تبرز الحاجة الملحة إلى تعظيم شأن الفتوى، وترسيخ مرجعيتها الرسمية الموثوقة، وحماية المجتمع من فوضى الفتاوى المرسلة التي تصدر عن غير أهلها.

إن المتأمل في واقع المنصات الرقمية اليوم يجد سيلاً جارفاً من المحتوى الديني المتداول، تختلط فيه الفتاوى الرصينة بأقوال المتعالمين والمتصدرين من غير أهلية، وتتقاذف فيه الحسابات المجهولة أحكاماً شرعية تمس حياة الناس ومعاملاتهم وعباداتهم، دون سند علمي، ودون مراعاة لواقع المجتمعات وخصوصياتها، ودون إدراك لمقاصد الشريعة وفقه المآلات، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فالفتوى التي تصدر عن جاهل أو مغرض قد تفسد على الناس دينهم، وتزرع في المجتمع بذور الفرقة والاضطراب، وتفتح أبواباً للغلو والتطرف، أو للتساهل والانحلال.

ومن هنا جاءت العناية الفائقة التي توليها دولة الإمارات لمنظومة الإفتاء الشرعي، إدراكاً من قيادتنا الحكيمة أن تنظيم شؤون الفتوى واستقرار مرجعيتها سبب لاستقرار المجتمع، وأن حماية الإنسان تشمل حماية عقله ووجدانه من التضليل باسم الدين، فكان إنشاء مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي خطوة رائدة في تنظيم هذا الشأن الجليل، وتوحيد المرجعية الإفتائية في الدولة، وتقديم الفتوى الرشيدة المنضبطة بضوابط الشرع، المراعية لمقتضيات العصر، الحاضنة للقيم الحضارية الراقية.

إن الرجوع إلى المؤسسات الإفتائية الوطنية عند السؤال عن الأحكام الشرعية مطلب ديني ووطني، فالمؤسسة الرسمية تمتلك من الكفاءات المتخصصة ما يضمن صدور الفتوى عن علم وبصيرة، وأما الحسابات المجهولة والمصادر غير المعتمدة فإن الأخذ عنهم مجازفة بالدين، ومقامرة بالقيم، وقد يقف وراء بعضها أصحاب أجندات مغرضة يوظفون الدين لأهداف مشبوهة، ويستغلون عاطفة الناس الدينية لبث أفكار منحرفة تستهدف تماسك المجتمعات واستقرارها، والتاريخ القريب شاهد على مآسي مجتمعات مزقتها فتاوى الغلاة وأقوال المتطرفين الذين نصبوا أنفسهم للإفتاء دون علم ولا أهلية.

وهنا تتجلى المسؤولية الفردية لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة، فالوعي هو الحصن الحصين، واليقظة هي الدرع المتين، وعلى كل عاقل أن يتحرى مصدر الفتوى قبل الأخذ بها، وأن يعرض ما يصله من محتوى ديني على ميزان التثبت والتحقق، وأن يجعل مؤسسته الوطنية الإفتائية وجهته الأولى فيما يعرض له من مسائل وأحكام، فالدين أغلى ما يملك الإنسان، وصيانته من العبث تبدأ من صيانة مصادر تلقيه، وإن سؤال أهل الذكر المعتبرين هو المنهج القرآني الأصيل الذي أرشدنا إليه ربنا سبحانه بقوله: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

ويبرز هنا الدور الجوهري للأسرة والمدرسة والإعلام في غرس ثقافة تعظيم الفتوى في نفوس الأجيال، وتوعية الناشئة بخطورة التلقي عن المصادر المجهولة، وترسيخ قيمة الرجوع إلى المؤسسات الوطنية الموثوقة، فالأجيال التي تنشأ على احترام العلم وتقدير أهله، والتثبت في التلقي والتحري في النقل، هي الأجيال القادرة على مواجهة أعاصير التضليل الرقمي بثبات ورسوخ، وهي الثروة الحقيقية التي تحفظ للوطن أمنه الفكري، وتصون للمجتمع سلمه الأهلي، وتواصل مسيرة البناء والعطاء بوعي واقتدار.

إن دولة الإمارات قدمت للعالم نموذجاً ملهماً في إدارة الشأن الديني بحكمة رشيدة، فجعلت من التسامح منهجاً، ومن الاعتدال طريقاً، ومن العلم أساساً، وأحاطت الفتوى بسياج من التنظيم المؤسسي الذي يحفظ لها مكانتها، ويحمي المجتمع من فوضى الفتوى وأقاويل المتعالمين.

وأخيراً فلنجعل من تعظيم الفتوى والرجوع للمؤسسات الرسمية ثقافة مجتمعية راسخة، صوناً لديننا، وحمايةً لمجتمعنا، وحفاظاً على أجيالنا، بما يزيد وطننا رفعة وسمواً وازدهاراً.