تحتفل الولايات المتحدة بميلادها الخمسين ومئتين هذا العام. فقبل قرنين ونصف، جاء إعلان الاستقلال من قبل مجموعة من المستوطنين البيض في ثلاث عشرة مستعمرة ضد الدولة الأم، وهي بريطانيا، والتي كانت تحكم ذلك الجزء من العالم. كان ذلك في 4 يوليو 1776، وكان المكان في فيلادلفيا، والتي أصبحت العاصمة الأولى للدولة الوليدة، إلى أن انتقلت العاصمة إلى واشنطن.
وقد سبق هذا الإعلان بداية الثورة الأمريكية ضد بريطانيا في 1775. وأعلن ملك بريطانيا، جورج الثالث، أن الثوار متمردون، وفي حالة عصيان، ما يعني جواز قتلهم بسبب الخيانة العظمى للتاج البريطاني. إلا أن الأمريكيين لم يأبهوا بالتهديد والوعيد، وأصدروا إعلان الاستقلال من قبل ما عرف لاحقاً بالآباء المؤسسين.
كان الخلاف بين المستعمرات وبريطانيا يتعلق بالضرائب التي كانت تجبيها الدولة الْمُسْتَعْمِرَةُ من مُسْتَعْمَرَاتها. وكان رأي الأمريكيين أنه لا يجوز للبرلمان البريطاني أن يفرض ضرائب على المُسْتَعْمَرَات، طالما أنها لا تشارك في صنع القرار. وأصبحت عبارة «لا ضرائب دون تمثيل»، شعاراً تغنّى به الوطنيون الأمريكيون حينها لإثبات حقهم في الثورة.
وقد جاء في إعلان الدستور عبارة تاريخية، يرددها الأمريكيون منذئذ وإلى يومهم هذا. وكما جاء في الترجمة العربية: «نعدّ هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع الناس خُلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً معيّنة غير قابلة للتصرّف، وأن من بينها الحياة والحرّية والسعي إلى السعادة».
هذه العبارة، التي مفترض أن يعيش بها الأمريكيون ويقتبسوها في مناسباتهم الوطنية لا تعني كل الناس. العبارة تعني البيض المستوطنين، وليس الشعوب الأصلية من الهنود الحمر أو من الأفارقة، والذين جلبوا للاستعباد والعمل في مزارعهم والخدمة في بيوتهم. ولم تعنِ بالطبع شعوب أمريكا اللاتينية، التي عاشت بجوارهم وتحت هيمنتهم.
ومما لا شك فيه، رغم كل المثالب التي ممكن أن تنسب إلى الولايات المتحدة، إلا أنها خلقت حضارة فريدة، ودفعت الإنسانية إلى مشارف لم يسبق لها مثيل. وأن تقدمها في مجالات العلم والمعرفة لا يتنازع عليها عاقلان. وأن تقدمها الثقافي والمادي غير مسبوق.
الولايات المتحدة عظيمة بأفكارها الكبيرة، والتي لم تحققها واقعياً، ولم تتعامل بها مع الآخر من شعوب العالم. ولكن لا يعني ذلك أنها لم تطلق صيحات تتعلق بحقوق الإنسان أو الحريات، حتى حين كانت تحرم جزءاً من شعبها منه.
والآن، وبعد مضي قرنين ونصف من الزمان، أين تقف الولايات المتحدة. مائتان وخمسون سنة قليلة في أعمار الأمم. وعليه، هل الولايات المتحدة في شبابها أم هرمت؟ هل القادم أفضل، أو أن الولايات المتحدة في انحدار؟
من السهل الاختفاء تحت إجابة لتحاشي الرد بالقول لا هذا ولا ذاك! يبدو أن الأمر معقد جماً. الولايات المتحدة فعلاً على مفترق طرق. وللأسف أن كلا الطريقين ليس محمود العواقب. الطريق الأول هو الاستمرار في ما تعودت عليه في الداخل والخارج.
مزيداً من الانقسام في الداخل والاستقطاب السياسي. مزيداً من تأثير المال السياسي في الحكومة، وانعدام استقلالية الدولة عن الضغوط للمصالح الخاصة. المزيد من المغامرات في الخارج، والتدخلات غير المبررة وخوض حروب.
الطريق الثاني هو الإصلاح السياسي والدستوري، لتجنب كثير من الأزمات السياسية الداخلية. طريق غير مفروش بالورود، ولكنه ضروري للحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة كبرى. أول الإصلاحات الداخلية، يتعلق بتأسيس انتخابات رئاسية مباشرة، لإعطاء الأغلبية من المواطنين صوتاً أكبر.
تحديد صلاحيات الرئيس في الحرب بشكل واضح من قبل المشرعين. تقييد التبرع المالي للحملات الانتخابية، بحيث يقلل وطأة المال السياسي على حساب تحديد المقترعين للمرشحين. التخلي عن فكرة تسيّد العالم. الولايات المتحدة في وضع جيوسياسي متميز، يحميها محيطان كبيران من الشرق والغرب، وجاراها في الشمال والجنوب أضعف من أن يهددوها.
وقد قيل قديماً: الأيام دول، والفلك يدور، ولكل أمر حد.. والدهر مقبل مدبر، والأيام آخذة معطية.