حين نتحدث عن مستقبل المدن، فإن الحديث لا يبدأ دائماً من المشاريع والطرق والمباني، بل من الإنسان الذي سيقود هذه المشاريع، ويتخذ القرار، ويتحمل المسؤولية في الوقت المناسب. ومن هنا، أقرأ تخريج الدفعة الأولى من «برنامج محمد بن حمد لإعداد القادة» باعتباره حدثاً يتجاوز منصة التكريم وشهادات التخرج، إلى رؤية أعمق في صناعة مستقبل الفجيرة.
في فكر سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة، تبدو مسألة إعداد القيادات جزءاً من فلسفة واضحة تقوم على أن المستقبل لا يُترك للمصادفة، وأن المسؤولية لا تبدأ يوم الجلوس على كرسي القيادة، بل قبل ذلك بسنوات من الإعداد والتجربة والمعرفة وصقل الشخصية.
وهنا تكمن أهمية البرنامج، فالقيادة في مفهومها الحديث لم تعد مجرد منصب إداري أو صلاحيات تُمنح، وإنما قدرة على قراءة المتغيرات، وإدارة الأزمات، وصناعة الحلول، والعمل بروح الفريق، والأهم من ذلك كله: امتلاك الشجاعة لتحمل القرار ونتائجه.
إن تخريج الدفعة الأولى من البرنامج يفتح الباب أمام تشكيل صف قيادي ثانٍ في الفجيرة، صف يعرف الإمارة، ويفهم توجهاتها، ويستوعب طموحاتها، ويملك الأدوات التي تؤهله للمشاركة في قيادة المرحلة المقبلة. وهذه، في تقديري، واحدة من أهم خطوات التنمية المستدامة، لأن المؤسسات القوية لا تعتمد على فرد واحد، بل تبني منظومة من الكفاءات القادرة على الاستمرار والتجدد. فالفجيرة التي تتوسع اقتصادياً وسياحياً وثقافياً وإعلامياً، وتدخل مراحل جديدة من التنمية والتحول، تحتاج بالتوازي إلى قيادات شابة قادرة على فهم سرعة هذا التغيير والتعامل معه بعقلية مختلفة، ونحن أمام جيل يجب ألا يكون نسخة من الجيل الذي سبقه، بل امتداداً لقيمه وخبراته، مع امتلاكه أدوات عصره وفكره الخاص وقدرته على الابتكار. وهذه هي المعادلة الأصعب في صناعة القادة، أن تحافظ على هوية المؤسسة والدولة، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام أفكار جديدة وقرارات أكثر جرأة. إن الأثر الحقيقي لـ«برنامج محمد بن حمد لإعداد القادة» لن نقيسه اليوم بعدد الخريجين، بل سنراه بعد سنوات في مواقع العمل، وفي المؤسسات، وفي القرارات والمبادرات التي سيقودها خريجو البرنامج. سنقيس نجاحه عندما نجد من بينهم مسؤولاً يصنع تحولاً في مؤسسته، أو قائداً يدير أزمة بكفاءة، أو شاباً يحول فكرة إلى مشروع يخدم الفجيرة وأهلها.
صناعة الصف الثاني ليست ترفاً إدارياً، بل أمان للمستقبل. والقيادة الواعية هي التي تبحث عن القائد قبل أن تحتاج إليه، وتعدّه قبل أن تسلمه المسؤولية. وهذا ما ينعكس في فكر سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، رؤية لا تنتظر المستقبل حتى يصل، بل تبدأ من اليوم في إعداد من سيقوده. فالفجيرة تمضي إلى مرحلة جديدة، ومع كل مرحلة جديدة نحتاج إلى أفراد يعرفون حجم المسؤولية القيادية، ويملكون الفكر والأداة والشجاعة.