وأن جولات التفاوض تتواصل خلف أبواب مغلقة بحثاً عن تفاهمات جديدة، إلا أن جوهر الصراع يبدو أنه انتقل من ساحة إلى أخرى، فالمعركة اليوم لم تعد تدور حول تبادل الضربات، بقدر ما أصبحت تدور حول رسم قواعد النفوذ في الخليج، ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة.
لذلك تردد بإصرار بين حين وآخر، أفكاراً عن فرض رسوم عبور أو مقابل خدمات أو ترتيبات خاصة، وهي تبدو في ظاهرها إجراءات فنية، لكنها في حقيقتها محاولة لإعادة تفسير قواعد مستقرة في القانون الدولي، بما يمنح دولة واحدة امتيازاً لا ينسجم مع الطبيعة القانونية للممرات البحرية الدولية.
ولعل ما يستحق التوقف أن هذه الرؤية لم تعد مجرد خطاب سياسي، بل ظهرت لها تطبيقات عملية، فقد سارعت إيران إلى التدخل وإرجاع سفن حاولت العبور عبر الممر العُماني من المضيق، وفي بعضها تم قصفها بالمسيّرات في تصرف يعكس تصورها لدورها في التحكم بحركة الملاحة.
أي باحتكار النفوذ في الخليج، والمفارقة أن ذلك حدث حتى في الممر العماني، بينما كانت سلطنة عُمان تبذل جهداً دبلوماسياً مميزاً للتوسط بين الأطراف المتنازعة، واضعة جانباً من أمنها واستقرارها على المحك، من أجل إبقاء باب الحوار مفتوحاً.
ومع ذلك، فإن أي مساس بحرية الملاحة في هذه المنطقة لا يهدد المصالح الخليجية وحدها، بل يضع الأمن العُماني نفسه أمام تحديات إضافية، ويبعث برسائل مقلقة إلى المجتمع الدولي الذي لا يزال في الغالب يقف متفرجاً.
غير أن طموحاً من هذا النوع يصطدم بواقع لا يقل صلابة وهو نصوص القانون الدولي، فمضيق هرمز ليس شأناً إيرانياً، بل هو ممر دولي تعتمد عليه أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية وخطوط الاتصالات الدولية.
ولذلك فإن أي محاولة لتغيير قواعد المرور، أو فرض تفسير جديد للقانون البحري لن تقابل برفض دول الخليج وحدها، بل ستواجه اعتراضاً من القوى الكبرى التي ترى في حرية الملاحة ركناً أساسياً من أركان النظام الدولي القائم.
وستحاول القوى المتنافسة داخل النظام الإيراني تقديم أي مكسب في هرمز بوصفه دليلاً على نجاحها، بينما سيحرص المجتمع الدولي على منع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات نفوذ أو ابتزاز سياسي. لقد انتقلت المعركة من السماء إلى البحر، ومن الصواريخ إلى القانون الدولي، وربما يكون هذا التحول أكثر تعقيداً وأطول عمراً وأكثر كلفة، لأن الخلاف لم يعد على حدود الجغرافيا، بل على من يملك حق صياغة قواعد النفوذ في المنطقة.