لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، سيرة ومسيرة ترتقي إلى مرتبة القدوة، وما زال، رعاه الله، قائداً مُلهِماً ورائداً جسوراً يُثيرُ في النفس القوية أرقى مظاهر الإعجاب، فهو الرجل الذي ما زال يعمل منذ ستين عاماً وما وهنت له عزيمة ولا لانت له قناة، بل إنه ما زال قادراً على بث روح القوة وضخ دماء النشاط في عروق الشباب الذين ينظرون إليه بإعجاب واستلهام لمسيرته المظفرة التي صنعت وطناً لا نظير له بين الأمم والشعوب، وحين نقرأ سيرته ومسيرته ومنجزاته وتضحياته نجد أنفسنا أمام نموذج استثنائي من القادة الشجعان الذين لا يزدادون على مرور الأيام إلا صلابة وقوة وإلهاماً لكل من يطمح إلى المجد وتحقيق الذات مهما كانت الصعوبات والتحديات.

في هذا السياق من تجليات العزيمة القوية نُشرت لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قصيدة بديعة المحتوى، عميقة التأثير، هادرة الإيقاع، جزلة الألفاظ بعنوان «حد الحسام» أبدع فيها في الدلالة على طريق المجد وتحقيق الذات، من خلال مواجهة الحياة وتخطي الصعاب وعشق المغامرة وترك وسادة النوم، فهو، رعاه الله، منذ بواكير شبابه يحمل بين جوانحه قلباً جسوراً يحتفي بالنشاط والعمل، ويُزري على أهل الخمول والكسل، فجاءت هذه القصيدة التي أتحدى أن يقرأها أي إنسان ولا يشعر بالرغبة في الانطلاق إلى صناعة الحياة التي تليق بالإنسان الماجد الذي يعشق التحديات، ويطمح إلى ترك بصمته الخاصة في سيرة الوطن ومسيرته.

سير هذا الوقت دايم للأمام

ما يرد الوقت لو ساعه ورا

وندري أن الكون مخلوق بنظام

وما يهمه مِنْ درا ومن ما درا

يفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القصيدة باستلهام منطق الحياة وتوظيف إيقاع الكون والزمان، فيقرر أن طبيعة الحياة والزمن هي الاتجاه دائماً إلى الأمام، وهو ما يُسمى في الثقافة الحديثة «سهم الزمن» الذي لا يمكن أن يعود إلى الوراء، وهو ما يقرره سموه بقوله إنه لا يمكن إرجاع ساعة واحدة إلى الوراء، وسبب ذلك هو أن الكون مخلوق بنظام لا يقع فيه الخلل، وهو في حالة حركة وتقدم منذ أن برأ الله تعالى الكون، وسواء علم الناس بهذه الحقيقة أو لم يعلموا فهي التي تحكم نظام الكون، وواجب الإنسان أن يستجيب لهذا القانون الكوني، وإلا فإن عدم معرفته بهذه الحقيقة ستنعكس عليه هو وليس على أحد غيره، فهي دعوة إلى تحمل المسؤولية وعدم الركون إلى الجهل والغفلة عن الحقائق الواضحة.

والعظايم كَفْوها الناس العِظامْ

وكل حرٍ سامها بروحه وشرى

كان ما عندك بهل العليا اهتمام

إرضف الحافك بنومك وإنخرا

وأشهد أن المطالب العظيمة لا ينهض بها إلا الرجال العظام، وهو ما يقرره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بكل هذا العزم النافذ، فالرجال الرجال هم الأكفاء للمهام الصعبة، ولا يسوم في هذه السوق ويشتري هذه البضاعة الغالية إلا كل حر مقدام جسور يعشق المجد ويرتاح للتحدي ولا يرى الحياة إلا في مقارعة الصعاب، وأما الذي ليس عنده ذوق لمعنى العلياء ولا يهتم بارتقاء هذه المنازل العالية فليس هو من رجال النهار، بل هو من هؤلاء الراقدين تحت لحاف الكسل وينخرون نخير الثور الكسول الذي لا يطمح إلى منافسة الرجال في ميادين العمل والأهوال.

وإن بغيت تنال في الدنيا وسام

كون مثل الذيب إن عزم سرى

وِشْ حياتك كان ما عندك غرام

بالمعالي عايشٍ خلف الذرا

وتزداد نبرة القوة في شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي تتدفق روحه بالعزم والبسالة، من خلال هذه القصيدة الفريدة التي تستنهض العزائم وتحرك الساكن، فمن أراد أن ينال وسام الشرف والإنجاز وخدمة الوطن فيجب أن يكون من رجال السروات تماماً مثل الذيب الذي إذا عزم على الصيد انطلق في الصباح الباكر مثل السهم نحو طريدته، ومعروف أن الذئب من أذكى السباع وأكثرها صبراً على الصيد فمن لم يكن له هذا الطبع لم يكن له غرام ببلوغ المعالي وعاش في الظل مختفياً عن الأعين راضياً بهذا العطاء الهزيل الذي لا يليق بالرجال الأماجد والفرسان المغاوير.

الحياة تكون للي ما ينام

لي يسوي فوق ما هو يقدرا

منْ يغبر شاربه وسط الزحام

ذلك لي بيديسمه مهما جرى

وما زال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يستلهم المعاني العميقة للحياة الصحيحة التي تليق بالرجال الشجعان فيقررُ بكل جزم وتأكيد أن الحياة الثمينة لا تكون لمن يعشق النوم ويألف الوسادة، فالوسادة هي عدو السيادة، فمن أراد المعالي فعليه بسهر الليالي ويكون قادراً على فعل ما لا يقدر عليه غيره، وينخرط بين الرجال في زحام الحياة حتى يعلو الغبار شواربه في إشارة من صاحب السمو إلى أن الحياة لا تُنال بالأمنيات بل هي كما قال الشاعر:

وما نَيلُ المطالب بالتمني

ولكن تُؤخذ الدنيا غِلاباً

ويواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد شحذ الهمم واستنهاض النفوس حين يقول:

لا إتسمع من حياته في الكلام

لي لمجدافك يريد يكسرا

من يطيح اليوم إن حاول وقام

عوض اللي من وقوعه خسرا

إن صفات الرجال الأشداء أنهم لا يستمعون للكلام الذي يثبط العزائم، ولا يُعيرون انتباهاً للكسالى الذين لا يرفعون رأساً بصناعة المجد، ولا يسمحون لهذه النماذج بتكسير مجاديفهم التي بها يقطعون رحلتهم عبر بحار الحياة، ومن تعثر منهم فإنه يبادر فوراً إلى النهوض، ولا يستسلم مثل أولئك الكُسالى الذين يديرون ظهورهم للحياة عند أول عقبة من عقباتها.

شِد حيلك كون في وصفك عِصام

لي بفعله مبْ بأهله مقدرا

ما تروم تعيش في أمن وسلام

دام ما عندك سلاح إمحضرا

وبنبرة المعلم الكبير وبقلب الوالد الوسيع يقترب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أبنائه ورجاله حين يخاطبهم بهذه العبارة الأبوية العذبة «شد حيلك»، مرشداً بذلك إلى تقوية العزيمة ومواصلة الطريق، وأن يكون الإنسان في هذا السعي متشبها بالرجل العصامي الذي أصبح مثلاً مضروباً لكل من يحقق أمجاده بسعيه من غير اعتماد على النسب والحسب حتى قالت العرب في ذلك مثَلها المشهور:

«نفسُ عصامٍ سودتْ عِصاما

وعلمته الكَر والإقداما»

فهو قد بلغ مراتب السيادة بفعله وجهده، ومنازلته لأحداث الحياة، وهو ما يريده صاحب السمو لأبناء شعبه الذين لن ينعموا بالأمن والسلام حتى يكونوا قد استعدوا لكل الصعوبات، ويكون سلاحهم جاهزاً لخوض المعارك والتحديات.

ومن يعيش العمر ع ريش النعام

ينتفون الريش عنه ويدمرا

ومن يجهز للزمن حد الحسام

يبلغ العليا واسمه يكبرا

ثم كانت هذه الخاتمة الرائعة التي قارن فيها سموه بين نوعين من الحياة: حياة الدعة والكسل والرفاهية والنوم على ريش النعام والتي ستكون عاقبتها أن طبيعة الحياة وتحدياتها سوف تنتف هذا الريش ويبقى صاحبه عارياً مدمراً في حين أن من يجهز نفسه للزمن وتقلباته ويصقل حد الحسام ويشحذ سيف الحذر فهو من يبلغ المراتب العالية ويكبر اسمه بين الرجال والفرسان.