ليست كل مواجهة دليلاً على الشجاعة، ولا كل تجنّب علامة ضعف.. رأينا في الحياة المهنية، كما في السياسة والعلاقات الإنسانية، أن هناك لحظات يكون فيها الصمت المؤقت أبلغ من التصعيد، والتدرج أجدى من الاصطدام.. المعضلة ليست في تفادي المواجهة بحد ذاتها، بل في أن يتحول إلى عادة تعطل القرار، أو إلى خوف يلبس ثوب الحكمة.

أحداث الحياة تؤكد لنا أنه في كل مواجهة هناك اقتراب أو ابتعاد أو احتواء.. فالاقتراب قد يكون ضرورياً عندما تبلغ المشكلة حداً يهدد السمعة أو العمل أو العدالة.. أما الابتعاد المؤقت فقد يكون تكتيكاً ذكياً، يمنح الأطراف فرصة لتهدأ النفوس وتتضح الصورة.. ومن هنا، يصبح تجنب المواجهة شكلاً من أشكال الحصافة، لا سيما حين تكون كلفة الصدام أكبر من جدواه.

في بيئات العمل، يضطر بعض أصحاب القرار إلى مواجهة مسؤول مزعج، أو موظف كثير الاعتراض، فيلجأون إلى تهميشه، أو نقله، أو تكليفه بمهام تكشف حقيقة عجزه للجميع، بدلاً من مواجهته مباشرة بطلب الاستقالة. هذه ما أسميها بالطريقة العربية في المواجهة.

وقد عايشت كيف طُلِب من أكثر من فرد أن يتقدم طواعية بالاستقالة، بدلاً من فصله بسبب تقاعسه وأخطائه.. قد يبدو ذلك مراوغة، لكنه في بعض الحالات يمنح الطرف الآخر فرصة الخروج الهادئ من غير إهانة ولا فضيحة.. في حالات أخرى ينبغي إشهار العقوبة أو المواجهة ليتعظ الجميع.

البعد الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية يزيد في الواقع من حساسية المواجهة.. فقرار بسيط داخل مؤسسة، قد يتحول إلى حديث مجالس، أو يتدخل فيه الأقارب والمعارف والوسطاء.. ولذلك تتحمل بعض الإدارات أشخاصاً مقصرين مدة أطول مما ينبغي، لأن مواجهتهم تشبه في نظرها الدخول في عش الدبابير.. هنا لا يكون السؤال: هل نواجه أم لا؟ بل: متى نواجه؟ وكيف؟ وبأي كلفة؟.

ومن أسباب تجنب المواجهة، الخوف من الإحراج، أو من رد الفعل، أو من فقدان العلاقة، وقد يعود ذلك إلى شخصية مترددة، أو خبرات قديمة، جعلت صاحب القرار يربط المواجهة بالأذى لا بالإصلاح.. لذلك تظهر بدائل أكثر نضجاً، مثل التسوية، حين يتنازل كل طرف قليلاً، أو التعاون، حين يبحث الطرفان عن حل يعالج جذر المشكلة، لا أعراضها وتداعياتها.

اللافت أننا نتعلم من عالم الأعمال كيف لا تمنع الخصومة الحادة بين شركات كبرى من اللجوء إلى خيار التهدئة حين تقتضي المصلحة، فبعد سنوات من التنافس الضاري بين مايكروسوفت وآبل، اختارت الشركتان في مراحل معينة التعاون بدل استنزاف طاقتهما، لأن السوق لا يرحم من يبدد طاقته في معارك جانبية، وكذلك تفعل شركات كثيرة، حين تنقل موظفاً من فريق إلى آخر، لا هرباً من القرار، بل اختباراً لبيئة قد تكشف أفضل ما فيه، أو تؤكد محدودية قدراته.

أما اليابانيون، فقد جعلوا من التحسين المستمر «كايزن» ثقافة، تقلل المواجهات الحادة، فبدلاً من انتظار الانفجار، تفتح المؤسسات قنوات يسيرة لإبداء الملاحظات الصغيرة، قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة.. وهذا درس إداري مهم، وهو كلما تأخر الإنصات، ارتفعت كلفة المواجهة.

وعلى الصعيد السياسي، علمتنا التجارب أن الحروب لا تبدأ دائماً برصاصة، بل أحياناً بكلمة متعجلة، أو موقف متصلب.. لذلك تلجأ الدول إلى الوسطاء، والبيانات المرنة، والغرف المغلقة، لأنها تدرك أن حفظ ماء الوجه قد يفتح باب الحل.. غير أن تجنب المواجهة لا يصلح لكل حال، فإذا تحول المقصر إلى متمرد، أو صار الصمت تشجيعاً للخلل، هنا وجب الحزم، فالحكمة في رأيي ليست في الهروب الدائم، ولا في الصدام السريع، بل في اختيار اللحظة التي تكون فيها المواجهة علاجاً لا انتقاماً، وقراراً مدروساً بعيداً عن العاطفة.