تقدّم ناتاشا أباناه في روايتها «بياض الذاكرة» نصاً يتجاوز حدود الحكاية التقليدية ليغدو حفرية دقيقة في الذاكرة الفردية والجماعية، وفي أثر الاستعمار على الأجساد واللغات والهوية.

وأباناه نفسها تنتمي إلى هذا التاريخ؛ فهي من مواليد جزيرة موريشيوس عام 1966، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى فرنسا وتصبح كاتبة فرنسية معروفة في الأدب الفرانكوفوني.

هذا الانقسام بين الجذور الموريشيوسية والانتماء الفرنسي ينعكس بوضوح في أعمالها، ويمنح روايتها حساسية خاصة تجاه قضايا المنفى والهوية والذاكرة، وتبدأ الرواية بهذا الاستدلال المقتبس عن الروائي الأمريكي من أصل فيتنامي أوشن وونغ: الذاكرة اختيار، ذلك ما قلته لي ذات يوم، وأنت توليني ظهرك، كأن إلهاً هو من يتحدث إليّ.

تبدو الرواية في ظاهرها سيرة امرأة تبحث عن جذورها بعد وفاة والدتها في عام 1999، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى مرآة لقرون من الصمت الذي أحاط بتاريخ العبودية في جزر الموريشيوس والمحيط الهندي، منذ أن بدأ الفرنسيون جلب العبيد من مدغشقر وشرق أفريقيا في القرن السابع عشر، وتحديداً بعد تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية عام 1664.

وهنا ينبغي التمييز بين هذه الشركة ونظيرتها البريطانية؛ فالأولى كانت مشروعاً فرنسياً أسسه كولبير لخدمة النفوذ الفرنسي في المحيط الهندي، بينما تأسست شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600، وكانت أكثر قوة وانتشاراً، قبل أن تنتزع موريشيوس من الفرنسيين عام 1810.

تقوم أباناه على تفكيك مفهوم «البياض» بوصفه استعارة للفراغ، وللمساحات التي مُسحت عمداً من التاريخ.

فالبياض هنا ليس نقاء، بل غياب قسري: غياب السجلات والأسماء والسرديات التي تخص المهمشين.

كثير من العبيد الذين وصلوا إلى موريشيوس بين 1720 و1810 لم تُسجّل أسماؤهم إلا بأرقام، كما فعل الإداري الفرنسي برتران فرانسوا ماهي دي لا بوردونيه حين وضع نظاماً لتصنيف العبيد بالأرقام بدل الأسماء.

هذا الإرث يظهر في الرواية عبر الصور التي تحمل أرقاماً بلا هوية، كأنها بقايا أرواح لم يُسمح لها بأن تُكتب.

وقد وجدت البطلة الساردة ثلاث بطاقات من أرشيف الهجرة الهندية في معهد المهاتما غاندي في جزيرة موريشيوس، بطاقات تحمل أرقام جديها الكبيرين وابنهما الذي هو جد جديها المباشرين، المنحدرين من ولاية أندرا براديش في الهند، يدور السرد التاريخيّ الروائي عنهما وعن والدَي البطلة.

البطلة فيوليت تحمل ذاكرة مثقوبة، تتقدّم نحو الماضي، كما لو أنها تمشي في ضباب، والبياض يتحوّل إلى محاولة لاستعادة ما مُحي، وإعادة تشكيل هوية سُلبت منها عبر الأجيال.

وهنا تستعيد الرواية تاريخ «العمال المهاجرين» الذين جُلبوا بعد إلغاء العبودية عام 1835، خصوصاً من الهند، في موجة هجرة قسرية قادها البريطانيون، وبلغ عددهم أكثر من 450 ألف عامل خلال القرن التاسع عشر. هذا التاريخ ينعكس في الرواية كطبقة إضافية من التهجير والاقتلاع.

وتعتمد الرواية بنية تقوم على التقطيع والتشظّي، فالمقاطع القصيرة والقفزات الزمنية وتعدّد الأصوات ليست مجرد خيارات جمالية، بل ترجمة شكلية لفكرة الذاكرة المكسورة.

السرد يتقدّم عبر شظايا، كما لو أن القارئ يجمع قطع فسيفساء متناثرة، والصور الفوتوغرافية التي تظهر على الغلاف ليست عنصراً زخرفياً بل مفتاحاً بنيوياً؛ كل صورة أثر يقود إلى سردية ناقصة، وكل سردية ناقصة تكشف طبقة جديدة من التاريخ المنسي.

بهذا الأسلوب تصبح الرواية أقرب إلى تحقيق تاريخي منها إلى سرد خطّي، ويغدو القارئ شريكاً في إعادة تركيب الحكاية، لا متلقياً لها فقط.

وتعيد أباناه فتح ملف العبودية في المحيط الهندي، وهو ملف ظل مهمشاً مقارنة بتاريخ العبودية في الأطلسي.

لكنها لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، بل تجسد أثر الاستعمار في التفاصيل اليومية: في اللغة التي تتكلمها الشخصيات، في الجسد الذي يحمل ذاكرة لا يعرفها العقل، وفي الشعور الدائم بأن الهوية مستعارة أو ناقصة.

وتستعيد الرواية أسماء شخصيات تاريخية لعبت دوراً في تشكيل هذا الإرث، مثل شارل ديكان الذي وثّق تجارة العبيد في المحيط الهندي في منتصف القرن التاسع عشر.

وتأتي لغة أباناه لتعمق هذا الإحساس؛ فهي لغة شفافة، بسيطة في ظاهرها، لكنها محملة بالطبقات، تقترب من الشعر دون أن تقع في الزخرفة، وتستخدم جملاً قصيرة وصوراً حسية وإيقاعاً هادئاً يمنح النص حساسية عالية، ويجعل القارئ يعيش التجربة لا يسمع عنها فقط.

أما الترجمة العربية لمحمد آيت حنّا، الصادرة عن دار الآداب عام 2025، فهي واحدة من نقاط القوة في النسخة العربية، إذ تحافظ على شفافية النص الأصلي دون أن تفقده نبرته العاطفية والشعرية الممتعة للقارئ، نقتبس: «أتخيل تلك الأيادي المشبوكة كلها، والصلوات الصامتة للجدين على سريرهما المصنوع من زهور فواحة، زهور القطيفة والورد والخطمي والياسمين الهندي.

أشد ما أحب هذه البركة التي ترافقهم في عبورهم الأخير، أشد ما أحب هذا التكريم الذي يحظى به الأحياء في هجرتهم الأخيرة».

في جوهرها «بياض الذاكرة» ليست رواية عن الماضي، بل عن استعادة الحق في السرد.

إنها تقول إن الشعوب التي مُحي تاريخها لا تستعيده عبر الوثائق فقط، بل عبر الخيال أيضاً، وإن الكتابة نفسها فعل مقاومة، وإن إعادة سرد الحكاية - ولو عبر شظايا - خطوة نحو امتلاك الذات.

بهذا المعنى تُقدّم الرواية نصاً هادئاً في لغته، عميقاً في أثره، سياسياً دون شعارات، وإنسانياً دون ابتذال، وتعيد الاعتبار لتاريخ ظل طويلاً في الهامش، وتوسع حدود الرواية عبر مساءلة الذاكرة والهوية والغياب، وتُذكّر بأن البياض ليس فراغاً، بل مساحة تنتظر أن تُكتب من جديد.