كيف نحمى الطفولة في العالم الافتراضي ؟

في الماضي، كان الأطفال يقضون معظم أوقاتهم في اللعب داخل الأحياء الشعبية والحدائق، يمارسون الألعاب الجماعية ويتواصلون وجهًا لوجه مع أصدقائهم وأقاربهم، كانت طفولتهم مرتبطة بالكرة والدراجات والألعاب اليدوية المختلفة والقصص التي تُروى في المجالس العائلية، وكانت مصادر المعرفة محدودة في المدرسة أو المكتبة، أما اليوم، فقد تغيرت ملامح الطفولة بشكل كبير، وأصبحت الشاشات جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال، حيث يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية يتنقلون بين الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ومنصات التعليم الرقمي، هذا التحول السريع جعل العالم الرقمي مساحة جديدة يعيش فيها الأطفال يوميًا، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات ومخاطر تستدعي مزيدًا من الوعي والحماية ، وتشمل هذه المخاطر التنمر الإلكتروني، وسرقة المعلومات الشخصية، والتعرض للمحتوى غير المناسب، والإبتزاز الرقمي، إضافة إلى الإدمان الرقمي الذي أصبح من أكثر المشكلات انتشارًا بين الأطفال والمراهقين، وأصبحت السلامة الرقمية للطفل قضية مجتمعية وتشريعية وتربوية مشتركة، تتطلب تكامل أدوار المشرع، والمدرسة، والأسرة، والمجتمع، لبناء بيئة رقمية أكثر أمانًا تحمي الأطفال وتحصّن وعيهم في مواجهة تحديات العصر الرقمي

ويأتي دور المشرع في مقدمة خطوط الحماية، عبر سن قوانين وتشريعات تواكب التطور التكنولوجي المتسارع، وتفرض التزامات واضحة على منصات التواصل والتطبيقات الرقمية لحماية خصوصية الأطفال وبياناتهم، فصدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 26 لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل بهدف تنمية الوعي لدى الأطفال والقابعين على رعايتهم بالحقوق والإلتزامات الرقمية، ووقاية الأطفال من المخاطر الرقمية والمحتوى الضار والممارسات المؤثرة سلباً على صحتهم الجسدية والنفسية والاخلاقية وضمان حق الأطفال في الحصول على محتوى رقمي مناسب وآمن، ونصت المادة رقم " 9" من المرسوم سالف الذكر على أن يُحظر على المنصات الرقمية السماح للأطفال بالمشاركة أو إنشاء حسابات أو الدخول إلى الألعاب التجارية عبر الإنترنت سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك عبر الإعلانات أو الترويج أو استغلال البيانات الشخصية، وتلتزم المنصات الرقمية ومزود خدمة الإنترنت باتخاذ التدابير التقنية والإدارية اللازمة لمنع وصول الأطفال إلى الألعاب المحظورة بموجب هذه المادة بما يشمل التحقق من العمر وأدوات التحكم الأبوي وحجب المحتوى الضار، و يُعد قرار مجلس الوزراء بتحديد الحد الأدنى لسن استخدام منصات التواصل الاجتماعي بـ 15 عامًا خطوة تنفيذية متقدمة تعكس التزام الدولة بتعزيز منظومة حماية الطفل في الفضاء الرقمي، في ظل التوسع المتزايد لاستخدام المنصات الإلكترونية وتأثيرها المباشر على النشئ.

أما الأسرة فهي خط الدفاع الأول والأكثر تأثيرًا، فالحماية الرقمية لا تتحقق فقط عبر منع الطفل من استخدام الأجهزة، بل من خلال بناء وعي حقيقي لديه ويبدأ ذلك بالحوار المفتوح مع الأبناء، وتعليمهم كيفية استخدام الإنترنت بشكل آمن، وشرح مخاطر مشاركة المعلومات الشخصية أو التواصل مع الغرباء، إلى جانب مراقبة المحتوى والتطبيقات بطريقة متوازنة لا تهدم الثقة بين الطفل ووالديه، كما أن القدوة الرقمية أصبحت ضرورة إذ لا يمكن مطالبة الطفل بالاعتدال الرقمي في بيئة يغيب فيها هذا السلوك لدى الأبوين .

وتتحمل المدرسة مسؤولية تربوية لا تقل أهمية عن دور الأسرة، خاصة في ظل التحول نحو التعليم الرقمي. فالمدرسة لم تعد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل أصبحت شريكًا في بناء الثقافة الرقمية للطفل ومن هنا تبرز أهمية إدراج مفاهيم السلامة الرقمية ضمن المناهج الدراسية، وتدريب الطلبة على التحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، والتعامل الواعي مع وسائل التواصل الاجتماعي، كما ينبغي تأهيل المعلمين لرصد أي مؤشرات للتنمر أو الابتزاز الإلكتروني الذي قد يتعرض له الطلاب داخل أو خارج البيئة التعليمية، ولا يكتمل هذا الدور دون مساهمة المجتمع بمؤسساته المختلفة، سواء عبر وسائل الإعلام، أو المؤسسات الثقافية، أو المبادرات المجتمعية، أو حتى الشركات التقنية نفسها فالإعلام الواعي قادر على نشر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، بينما تستطيع المؤسسات المجتمعية تنظيم حملات توعوية وندوات تستهدف الأطفال وأولياء الأمور كما تتحمل الشركات المالكة للمنصات الرقمية مسؤولية أخلاقية وقانونية في تطوير أدوات رقابة وحماية أكثر فاعلية للأطفال.

وتبقى السلامة الرقمية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع فحماية الأطفال في العالم الرقمي أصبحت ضرورة ملحّة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وكلما زاد وعي الأطفال والأهالي بالمخاطر الرقمية وطرق الوقاية منها، أصبح بإمكان الجيل الجديد الاستفادة من التكنولوجيا بثقة وأمان، وتحويل العالم الرقمي إلى مساحة للتعلم والإبداع بدلًا من أن يكون مصدرًا للخطر والتهديد.