عدت، أمس، من زيارة لجنوب لبنان لمدينة النبطية، أي كنت على بعد كيلو ونصف هوائي فقط من التلة التي تتواجد عليها قوات ومدفعية وراجمات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
الصورة التي نراها في نشرات الأخبار للجنوب مؤلمة، ولكن الصورة التي يراها المراقب حتى لو كان محايداً كارثية شديدة القسوة والإيلام، وتحمل بداخلها كل مشاعر الأسى الإنساني، بعيداً عن أي انحياز سياسي أو ديني أو طائفي.
النبطية هي أكبر محافظات جنوب لبنان مساحة، وهي صاحبة التأثير الثقافي والديني الأكبر في جبل عامل، وتبلغ مساحتها 1.097 كم مربع، يعني أن محافظة النبطية وأقضيتها تمثل 10.7% من مساحة لبنان.
هذه المحافظة يعتمد 85% من سكانها على الزراعة، وهي منطقة خصبة للزراعة ولا شواطئ لها، وهي تبعد 22 كم عن صيدا و65 كم عن بيروت.
العائلات الكبرى في هذه المحافظة من كبار الإقطاعيين والأثرياء في صيدا وبيروت أو في المهجر وبالذات في أفريقيا السوداء.
المشهد في هذه المدينة بائس ومؤلم، الشوارع خالية، المحلات مغلقة، لا مقاهي، لا دار عرض سينمائي، لا بيع، لا شراء، سيارات معدودة لبعض السكان الذين يغادرون المدينة يريدون الاطمئنان على ما بقي فيها، وما بقي من «جني عمرهم» من بيوت وضيَع ومصالح.
اصطحبني الصديق الكريم مصطفى فحص، وهو ابن المنطقة، ولاحظت عليه ملامح الألم وهو يكرر عبارات الأسى كلما شاهد حطام مبنى أو حي «هنا تعلّم» و«هنا كان يجلس مع الأصدقاء» و«هذا مركز المدينة» و«هذا بيت فلان».
مشاهدة حطام المدينة نوع من التأبين للعمران، والتاريخ والمستقبل.
قال لي رئيس المدينة، وهو يصطحبني في السوق العام للنبطية: «هنا كان أكثر من 70 محلاً تجارياً، وكلها دمرت».
وعاد يقول: «نحاول بالجهود الذاتية وبالمتطوعين من الشباب أن نزيل الركام وننظف ما يمكن تنظيفه».
15 % فقط «على أقصى تقدير» عادوا تحت ما يسمى بوقف إطلاق النار، الموقَّع عليه والمعلن دولياً، لكنه اتفاق إطلاق نار هش تمارس فيه إسرائيل القتل والتصفية والتدمير الانتقائي.
كثير من أبناء هذه المنطقة، لا يعرفون هل يعودون أم لا؟ هل يرممون ما أصاب بيوتهم أم يتركون الأمر إلى المصير الغامض؟
باختصار الصورة أصعب مما نراه على الشاشات.
باختصار تم قتل الحياة بالرصاص في الجنوب، وما زالت قوات الاحتلال على التلال تمارس دورها لمنع أي محاولة لإعادة الحياة!!