هي ليست مجرد قطعة جِلْدٍ منفوخة تجري فوق عشبٍ أخضر، ولا هي اثنان وعشرون لاعباً يطاردون هذه القطعة طوال تسعين دقيقة أو أكثر، ولكنها ظاهرة اجتماعية نفسية ثقافية، تستحق أن تُدرَّس في الجامعات، مثلما تُدرَّس في معاهد التربية الرياضية.
يسمونها الساحرة المستديرة، التي تجعل بطولاتها ومنافساتها البشر يدخلون في حالة استثنائية، تتبدل فيها الأولويات، وتتغير الأوقات، وتُعاد صياغة المزاج العام، فتصبح كرةٌ صغيرةٌ قادرةً على أن تحرك رؤوس البشر أكثر مما تحركها قضايا السياسة، أو الاقتصاد، أو حتى الحروب.
ما الذي يحدث للإنسان عندما يصبح هدفٌ في الدقيقة الأخيرة قادراً على أن يرفعه إلى سماء الأمل، أو يهوي به إلى قاع الإحباط؟ ما الذي يجعل ملايين البشر، على اختلاف لغاتهم وأديانهم وألوانهم، يجلسون في وقت واحد، يحبسون أنفاسهم أمام شاشة، وكأن العالم كله صار غرفة واحدة؟
خلال فترة إقامة مباريات كأس العالم يتغير إيقاع الحياة. تكثر الإجازات، تؤجل الاجتماعات، تتبدل مواعيد النوم، تخلو الشوارع، ثم تمتلئ بعد صافرة النهاية. المسؤول المالي الذي كان يناقش ميزانية مؤسسة كبرى قبل ساعة، يتحول إلى محلل يشرح أسباب فشل المدرب في التبديلات.
والطبيب الذي أمضى نهاره في غرفة العمليات، يصبح خبيراً في خطط اللعب، بدءاً من (4 - 4 - 2) الأكثر شهرة في تاريخ اللعبة، وما يليها من خطط. وسائق سيارة الأجرة يقدم لك تحليلاً رياضياً لا يقل عن محللي القنوات الرياضية.
كرة القدم تمنح الإنسان وهماً جميلاً بأنه جزء من صناعة الحدث، مع أنه يجلس على بعد آلاف الكيلومترات من الملعب. يصرخ، ويغضب، ويقفز، ويعاتب الحكم، ويطالب بإشراك لاعب وإخراج آخر، وتغيير خطة اللعب. إنها علاقة عاطفية لا تخضع لقوانين المنطق.
كرة القدم تكشف الإنسان أمام نفسه. ففي لحظة الفوز يظهر الكرم، والتسامح، والتصالح. وفي لحظة الخسارة تظهر العصبية، والانفعال، والتعصب. هناك من يتقبل الهزيمة برضا، وهناك من يخاصم أخاه أو صديقه لأنه يشجع الفريق المنافس. كأن الكرة لا تختبر مهارة اللاعبين فقط، وإنما تختبر قدرة الجماهير على إدارة مشاعرها أيضاً.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت المشهد اشتعالاً. ففي السابق كان الجدل ينتهي عند باب المقهى أو المجلس، أما اليوم فإنه يمتد إلى ملايين الشاشات. بعد كل مباراة تمتلئ المنصات بالتحليلات، والرسوم الساخرة، والمقاطع القصيرة، والاتهامات المتبادلة. في دقائق قليلة يتحول لاعب إلى بطل قومي، ثم يصبح في المباراة التالية هدفاً للسخرية. إنها محكمة لا تعرف الاستئناف، ولا تعترف بأن الخطأ من طبيعة البشر، وأن اللاعبين بشر.
لعل السرّ الحقيقي في سحر مباريات «كأس العالم» أنها تذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من التقدم العلمي والتقني، ما زال يحمل داخله ذلك الطفل الذي يفرح بانتصار فريقه، ويحلم بالكأس، ويصدق أن المستحيل يمكن أن يتحقق في الدقيقة الأخيرة.
ولهذا تبقى المفاجآت هي الوقود الذي يغذّي هذه البطولة. فمنتخبٌ ناشئٌ يشارك في البطولة للمرة الأولى قد يهزم منتخباً عملاقاً أو يحرجه، ولاعب مغمور قد يصبح بين ليلة وضحاها أشهر من كثير من السياسيين والعلماء والمخترعين.
كرة القدم تضعنا أمام سؤال كبير: لماذا نستطيع أن نجتمع حول مباراة مدتها تسعون دقيقة، أو أكثر قليلاً أحياناً، بكل هذا الشغف، بينما نعجز عن الاجتماع حول قضايا تمس مستقبلنا؟
ربما لأن الكرة تقدم لنا عالماً بسيطاً، فيه فائز وخاسر، وحكم يطلق صافرة في نهاية المباراة. بينما الحياة أكثر تعقيداً، لا تعلن نتائجها بهذه السهولة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحمّل اللعبة أكثر مما تحتمل. فهي مساحة للمتعة، وليست سبباً للعداوات. والانتماء للفريق يجب أن يبقى انتماءً رياضياً، لا يتحول إلى تعصب أعمى يلغي احترام الآخرين.
كلما شاهدت الجماهير وهي تُغنّي، وتبكي، وتضحك، وتلوّح بأعلامها، وتحمل معها أطفالها الرُّضّع في المدرّجات، أدركت أن الكرة لا تلعب بعقول البشر فقط، وإنما تكشف ما يختبئ فيها.
إنها تُخرِج الفرح الكامن، والخوف الكامن، والأمل الكامن، وحتى التعصب الكامن. لهذا فإن السؤال ليس: ماذا تفعل كرة القدم برؤوس البشر؟ وإنما: ماذا تخفي رؤوس البشر حتى تستطيع كرة صغيرة أن تكشفه في تسعين دقيقة، يُضاف إليها أحياناً وقتٌ ضائعٌ، وشوطان إضافيان، وركلاتٌ ترجيحية؟