وقد تجلى ذلك بوضوح في التنافس الطويل والمرير على السلطة بين الأرملتين الغريمتين حسينة واجد وخالدة ضياء. فبقدر ما كانت بنغلاديش تقترب من الهند وتبتعد عن الصين (مع بعض الاستثناءات) في ظل حكومات الشيخة حسينة، كان يحدث العكس في زمن حكومات خالدة ضياء (والدة رئيس الوزراء الحالي طارق ضياء الرحمن).
وعليه فإن قيام طارق رحمن أخيراً بزيارة لمدة أربعة أيام إلى بكين، هي الأولى له خارج بلده منذ تسلمه رئاسة الحكومة البنغلادديشية، خلفاً للرئيس الانتقالي البروفسور محمد يونس، ليس بالأمر الغريب.
ويمكن وضعه في سياق ما هو معروف عن الحزب الوطني البنغلاديشي الحاكم من تفضيل للصين على الهند، خصوصاً في ظل ما يعتري العلاقات الهندية ــ البنغلاديشية اليوم من توترات بسبب احتضان نيودلهي لزعيمة بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة واجد، منذ خلعها في انتفاضة شعبية في عام 2024.
هذا في الوقت الذي كانت فيه الصين معارضة لانفصالها عن باكستان، بل استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في أغسطس 1972 ضد قرار قبول بنغلاديش عضواً في الأمم المتحدة.
وبسبب الدور الهندي في قيام بنغلاديش، شهدت العلاقات بين دكا ونيودلهي عقوداً طويلة متقطعة من التعاون الوثيق في المجالات الدبلوماسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، وفي حقول مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والطاقة والزراعة. وفي الوقت نفسه قامت الصين بتعزيز حضورها الاستراتيجي والاقتصادي في بنغلاديش تدريجياً، لتصبح اليوم شريكها التجاري الأكبر بحوالي 18 مليار دولار أمريكي سنوياً.
كما قامت باستثمارات كثيفة بمليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية، ولا سيما الموانئ والطرق والجسور، وعقد صفقات دفاعية لبناء مصنع للمسيرات بالقرب من الحدود الهندية والتدريب العسكري والإنتاج الدفاعي.
، لأنها ببساطة شديدة لا تستطيع إغفال مكانة ونفوذ الهند السياسي والتاريخي العميق في بنغلاديش، ولا تستطيع في الوقت نفسه إغضاب الصين المتغلغلة اقتصادياً وتجارياً وتنموياً فيها، بل التي صارت أيضاً مصدراً لتسليح جيشها.
حيث بإمكان دكا أن تنخرط في تعاون تنموي مع بكين لأن مثل هذا التعاون ــ بعكس التعاون الأمني والدفاعي ــ لا ينطوي على تبعات استراتيجية، ولأنه يحقق، من جانب آخر، تطلعات البلاد لجهة الاستفادة من قدرات الصين الرائدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة الخضراء وأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية.
أما كيف نجحت هانوي في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، فإن الجواب هو بالمرونة، وحسم الأمور دون إبطاء، واستخدام آليات تنفيذ فعالة وجذابة، وإشعار الآخر بأنه يتعامل مع بلد يقدر الدعم الخارجي ويستطيع استيعابه والاستفادة منه بأفضل الطرق.