من أسرار العربية التي طالما استوقفتني أن العلاقة بين المبنى والمعنى فيها ليست علاقة شكل بمضمون فحسب، بل صلة تكاد تبلغ حد المصاحبة. فالكلمة لا تحمل معناها وحده، بل تحمل شيئاً من ظله وإيحائه وهيئته. ولهذا لم يكن غريباً أن يقول أهل اللغة: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى.

والبأس والبؤس واليأس من أكثر الكلمات التي استوقفتني طويلاً.

ففي السمع لا يكاد يفصل بين البأس والبؤس شيء، وفي الكتابة لا يفصل بينهما سوى همزة غيرت موضعها، لكن المعنى ينتقل انتقالاً بعيداً، من القوة إلى الضعف، ومن العزة إلى الضعة، ومن الثبات إلى الانكسار.

وزادني فيها أن مبناها يكاد يومئ إلى معناها. فالهمزة في البأس تستقر على الألف في صدر الحروف الهجائية، ثم تراها في البؤس وقد غادرت موضعها لتستقر على الواو في أواخرها، وكأنها في رحلة هبوط من علو إلى ما دونه.

أما اليأس فلا يفصله عن البأس سوى نقطة أضيفت إلى المبنى، لكنها تبدو لي نقطة في المعنى أيضاً، نقطة ضعف صغيرة لم تتدارك، فانقلب بها البأس إلى يأس.

واستقر ذلك كله عندي في عبارة اختصرته مبنى ومعنى: «بين البأس والبؤس زلة حرف، وبين البأس واليأس نقطة ضعف».

وبقيت العبارة عالقة في ذهني، تتسع دلالاتها كلما أمعنت فيها؛ فليس كل مبنى يكشف معناه من الوهلة الأولى، ولا كل معنى تحيط به الكلمات، ومن هنا امتدت بي إلى لغة أخرى لا تقل أثراً: لغة المواقف.

لغة تتجاوز الكلمات، أقوى في مبناها وأعمق في معناها. لا تكتب حروفها على سطر، وإنما تتشكل مما نفعله حين يحين وقت الفعل، وما نختاره حين تتعدد الخيارات، وما نثبت عليه حين تتبدل الظروف. لها سياق يمنحها معناها، وموضع يحدد قدرها.

وقد تقول في لحظة واحدة ما تعجز الكلمات عن قوله في أعوام. فقد يقف المرء موقف الذل وهو يحسبه عزة، ويأتي من البؤس ما يتوهمه بأساً، وقد يرفع الموقف قدراً كما قد يسقط مقاماً.

والزلة فيها ليست حرفاً أخطأ موضعه، فقد تكون غياباً خذل مقام الحضور، أو حضوراً أساء إلى حكمة الغياب. أما نقطة الضعف فلا تستقر على سطر، بل قد تنكت في القلب، ويبقى أثرها أبعد من أن تبلغه الكلمات.

بعض المواقف، كالحروف إذا زلت، لا تغير المعنى فحسب، بل تكشف بوضوح ما كان وراءها من نقطة ضعف.