خلال مشاركتي في جلسة حوارية بعنوان «الوعي الفكري وتمكين الإنسان: أساس الاستقرار المجتمعي»، نظمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في البيت الإماراتي بمعرض بكين الدولي للكتاب 2026، كان السؤال الذي يفرض نفسه: كيف نبني إنساناً واعياً في زمن تتدفق فيه المعلومات، وتتزاحم فيه الآراء، وتتداخل فيه الحقيقة بالانطباع؟

في الحقيقة، نحن نعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات والأفكار بسرعة وكثافة، وتتداخل فيه الحقيقة بالرأي، والمعرفة بالانطباع، والحجج بالشعارات، حتى أصبحت الأزمة في عجز المتلقي عن تقييمها، وتمييز الصحيح من الزائف، وفي هذا الواقع، يصبح المنطق ضرورة، فهو ميزان للعقل، وأداة لفهم العالم.

هنا، تبرز أهمية علم المنطق بوصفه ضرورة عقلية وتربوية وحضارية لحماية الوعي وبناء الإنسان، فهو العلم الذي يضع قواعد التفكير الصحيح، ويعلم الإنسان كيف يميز بين البرهان والوهم، وبين الاستدلال السليم والاستنتاج المتعجل، المنطق مرتبط بالعقل والحياة، هو ميزان يضبط الفكرة قبل أن تتحول إلى موقف، والرأي قبل أن يصبح قناعة، ويمنع الإنسان من الوقوع في الانفعال أو التقليد أو التعميم.

من هذه المنطلقات، تتجلى ضرورة تدريس المنطق ليعيد الاعتبار للعقل المنظم، فالتعليم لا ينبغي أن يكتفي بتزويد الطالب بالمعلومات، بل يمنحه القدرة على التفكير والسؤال والتحليل والمقارنة والنقد، لا قيمة للمعرفة إذا لم يمتلك صاحبها القدرة على فهمها، ولا فائدة من كثرة الاطلاع بلا وعي يميز بين الفكرة الرصينة والادعاء المضلل، الطالب الذي يتعلم المنطق، يتعلم كيف يفكر، وكيف يبني رأيه، وكيف يراجع مسلّماته، وكيف يحترم الدليل.

ما خلصت به جلسة «الوعي الفكري وتمكين الإنسان»، هي أن التمكين لا يتحقق بإتاحة المعرفة فقط، بل بتأهيل الإنسان لاستخدامها استخداماً واعياً رشيداً، والوعي لا يعني كثرة المعرفة، بل كيف تفهم، وكيف تحكم، فالإنسان الممكّن فكرياً هو من يمتلك القدرة على التمييز بين الحجة والشعار، وبين البرهان والانطباع.

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد أهمية المنطق أكثر، فالمنصات الرقمية لا تنقل المعرفة فقط، بل تنقل الشائعات، والمغالطات، والتأثير العاطفي، والخطابات الموجهة، والكثير من الناس لا يقعون في التضليل بسبب غياب المعلومات، بل بسبب ضعف أدوات الفهم والتقييم والتحليل لديهم.

هنا، يصبح المنطق جزءاً من الحماية والمناعة الفكرية، لأنه يمنح الإنسان القدرة على التوقف قبل التصديق، والتساؤل قبل التبني، والتمييز بين الحقائق والشائعات، والتفكير قبل الحكم واتخاذ الموقف.

أتفق مع من يرى، أن تدريس علم المنطق يساعد على كشف المغالطات التي تحاصر العقل في النقاشات العامة، مثل التعميم المتسرع، والاحتكام إلى العاطفة، ومهاجمة الشخص بدلاً من مناقشة الفكرة، وبناء النتائج على مقدمات غير صحيحة، لكن الخطر يكمن في تحول هذه المغالطات والمهاترات إلى مواقف اجتماعية وسياسية وثقافية تؤثر في وعي الأفراد واستقرار المجتمعات.

من هنا، تكمن أهمية بناء الإنسان الواعي عبر تدريبه على التفكير المنهجي، لذا، يمكننا اعتبار علم المنطق مدخل إلى بناء الإنسان الواعي القادر على الحوار، واحترام الاختلاف، وتقديم الحجة، ومراجعة الذات، لأنه يعلم الإنسان أن قوة الموقف لا تقاس بحدة الصوت وارتفاعه ولا الغوغائية أو الجدال السفسطائي، بل بسلامة البرهان وقوة الحجة.

من المنطقي، أن يكون المجتمع الذي ينتشر فيه التفكير المنطقي لديه القدرة على مقاومة الشائعات، وأقل قابلية للانسياق خلف الخطابات العاطفية والمتطرفة والشعبوية، وأكثر استعداداً لإدارة الاختلاف بالحوار، فالعقل المنطقي لا يلغي العاطفة، لكنه يمنعها من أن تقوده، ولا يلغي القيم، لكنه يجعل الدفاع عنها أكثر اتزاناً.

في اعتقادي، إعادة تدريس علم المنطق في المدارس والجامعات لم يعد ترفاً معرفياً، بل ضرورة تربوية وحضارية، وينبغي أن يدرس بطريقة تطبيقية، لا تدريس مصطلحات جامدة، ولا بد من ربطه بالحياة اليومية، وتحليل الأخبار، وقراءة الخطاب الإعلامي، وفهم النقاشات الفكرية، وتقييم الحجج في القضايا العامة.

حقيقة، علم المنطق يدرب العقل على النزاهة، ويحرر الإنسان من الفوضى الفكرية، ويمنحه القدرة على التفكير بوضوح، ويحكم بإنصاف، ويتحاور برقي، وإذا كان الوعي الفكري أساساً للاستقرار المجتمعي، فالمنطق أحد أهم المداخل إلى هذا الوعي، لأنه يمنح الإنسان ميزاناً يحميه من التضليل، ويقوده إلى الفهم، ويجعله أكثر قدرة على المشاركة الواعية في بناء مجتمعه ووطنه.