تزايد الاهتمام بالأسرة في عصر تتزايد فيه التغيرات وتتعرض حياة الفرد والمجتمع لاختبارات وتحديات، ولذا فإن وضع الأسرة في عصرنا الحالي مصحوب بالمخاطر وخصوصاً الأطفال، ما يتطلب معه الاهتمام بالأسرة ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضاً على المستوى الدولي.

وتكتسب الأسرة أهميتها من أنها تعمل على تحقيق عملية البناء والإنماء، حيث تقدم للمجتمع أثمن ثروة يعتمد عليها في بنائه ونمائه، ألا وهي الثروة البشرية.

ومما لا شك فيه أنه في عالمنا المعاصر الذي تنتشر فيه منصات الفضاء الرقمي على الأجهزة الذكية المتعددة، والتي هي بمتناول يد الأطفال من سن الروضة إلى سن السابعة عشرة، أي مرحلة المراهقة الخطرة، يعيش فيها الطفل والمراهق في عالم افتراضي يأسرهما ويوجه قدراتهما وطاقتهما بسرعة فائقة نحو الجذب والتفاعل اللاإرادي، والتي يقضيان معها منعزلين ساعات طوالاً دون رقيب أو حسيب، ما تجعلهما يعيشان عالماً افتراضياً يعزلهما عن الواقع وتدفعهما بعد ذلك إلى ما لا تحمد عاقبته، ومن ذلك ما انتشر أخيراً من ألعاب تستهدف جميع الفئات العمرية وخصوصاً الشباب.

الأمر الذي بدوره أنهى دور الطفل التقليدي في محيط أسرته بالمشاركة والتفاعل الجماعي، ما يزيد مخاطر إصابته بسلوك الانطوائية والعدوانية مما لا شك فيه يتطور إلى أمراض نفسية وعدوانية معقدة وخصوصاً الألعاب التي تكون نهايتها مأساوية، لأن هذه الألعاب تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها للأسف تستخدم أساليب نفسية معقدة وتجتذب محبي المغامرة وعاشقي الألعاب الإلكترونية، لأنها تستغل لديهم عامل المنافسة تحت مظلة البقاء للأقوى.

ومن هذا المنطلق، ولتلك المبررات والدوافع، وحرصاً من قيادتنا الرشيدة على تجنب تداعيات استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي بحرية مطلقة، دون حسيب أو رقيب لما لهذا الأمر من مخاطر جسيمة على الأبناء، وكيان الأسرة «نواة المجتمع» وقيمها الاجتماعية والأخلاقية في بلادنا، أصدر مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قراراً بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس توجه دولة الإمارات نحو ترسيخ نموذج متقدم لحماية الطفل في الفضاء الرقمي، وتعزيز منظومة السلامة الرقمية، وبما يواكب التحولات المتسارعة في استخدام التكنولوجيا، حيث يهدف القرار إلى تمكين الأطفال من الاستفادة منها ضمن بيئة رقمية آمنة ومتوازنة ومناسبة لأعمارهم.

ويأتي القرار في ظل توسع الأطفال في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وما يرتبط بذلك من تحديات ومخاطر رقمية متزايدة، تشمل التعرض للمحتوى غير المناسب، والتفاعل غير الآمن، وجمع البيانات الشخصية، وأنماط الاستخدام المفرط، بما يستدعي تطوير إطار وطني متكامل، يوازن بين تمكين الأطفال من الاستفادة من التكنولوجيا وتعزيز حمايتهم في البيئة الرقمية، ويعكس ريادة دولة الإمارات في تطوير نماذج تشريعية متقدمة تواكب التحولات الرقمية العالمية وتضع سلامة الطفل وجودة حياته ضمن أولوياتها الوطنية.

كما يُعزّز القرار تكامل المنظومة التشريعية المرتبطة بحماية الطفل، والتي تشمل قانون حقوق الطفل، والتشريعات المتعلقة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، وتنظيم الإعلام، والسلامة الرقمية للطفل، بما يُرسخ تكامل الأدوار المؤسسية ونهج الدولة في توفير بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال.

ويشمل القرار منصات التواصل الاجتماعي التي تُتيح للمستخدم إنشاء حسابات أو ملفات شخصية، أو تمكّنه من التفاعل الاجتماعي ونشر المحتوى وتداوله!

عودة للقول إن الاهتمام بالطفل في دولة الإمارات، يستمد مبادئه وقيمه من عمق حضارتنا الإنسانية الأصيلة، ووفق رؤية القيادة الرشيدة للدولة، منذ تأسيسها على يد المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي عمل بكل عطاء وإخلاص على تنمية شأن وواقع أطفال الدولة ودول العالم دون استثناء.

إن قرار مجلس الوزراء والذي يحدد سن 15 عاماً كحد أدنى لإنشاء حسابات شخصية على منصات التواصل الاجتماعي، مع حظر استخدامها لمن هم دون ذلك، يعد خطوة استباقية لتعزيز الأمان الرقمي للأطفال وتحديد مسؤوليات المنصات التقنية لحمايتهم، حيث إنه يأتي متسقاً مع التوجهات العالمية المتقدمة في مجال حماية الأطفال رقمياً، ويقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين السلامة الرقمية ودعم الأسر ومسؤولية المنصات وقابلية التطبيق العملي، بما يدعم انتقال دولة الإمارات إلى مرحلة متقدمة في تنظيم الفضاء الرقمي تقوم على التشريع الاستباقي والتكامل المؤسسي والتوازن بين الابتكار والحماية، ويعزز موقع الدولة كنموذج عالمي رائد في حماية الأطفال وضمان سلامتهم في العصر الرقمي ويعكس التزامها المستمر ببناء مجتمع رقمي آمن ومستدام.