في زحمة الحياة المعاصرة وتسارع إيقاعها، يتسلل شعور غامض وثقيل إلى أعماق النفس البشرية، شعور بالانفصال والغربة والتلاشي التدريجي للمعنى، ويطلق علم النفس على هذه الحالة اسم «الاغتراب النفسي»، بينما عُرف في الفلسفة بمفهوم «الاغتراب الإنساني»، الذي يُعد أحد أكثر الأسئلة عمقاً في علاقة الإنسان بذاته، ويبدأ الاغتراب حين تتسع المسافة بين الإنسان ونفسه، أكثر من المسافة بينه وبين العالم، عندها يقف أمام المرآة، فلا يتعرف إلى ملامح روحه، وينظر إلى ما حوله فيجده مألوفاً في صورته، غريباً في جوهره، كأنه يؤدي دوراً في مسرحية، لا يعرف كيف بدأت ولا إلى أين تنتهي.

شغل مفهوم الاغتراب الفلاسفة منذ زمن بعيد، إذ رأى هيغل أن الإنسان يخرج إلى العالم عبر ما يصنعه ويبدعه، ثم يعود ليكتشف ذاته في ذلك كله، لذلك عدّ الاغتراب مرحلة تقود إلى الوعي، أما ماركس فانطلق من سؤال مختلف، إذ رأى أن الإنسان يستهلك عمره في عمل لا يملك ثماره، فيبتعد تدريجياً عن جهده، ثم عن ذاته، وبعده نقلت الفلسفة الوجودية السؤال إلى الداخل، فلم يعد البحث منصباً على العالم وحده، وإنما على الإنسان الذي وجد نفسه مطالباً بأن يخلق معنى لحياته، وبرغم اختلاف هذه الرؤى، فإنها تلتقي عند فكرة واحدة، وهي أن الاغتراب لا يبدأ عندما يبتعد الإنسان عن العالم، وإنما عندما يفقد علاقته بما يمنحه الإحساس بأنه «موجود»..!

واليوم لا يقاس اغترابنا بمقدار العزلة أو الانكسار، وقد لا يكون ثمرة لحظة انهيار، بل حصيلة سنوات من التكيف، حتى يعتاد الإنسان المسافة التي تفصله عن نفسه، وهكذا تمضي الحياة بإيقاعها المعتاد، وتتوالى المسؤوليات، وتتراكم الإنجازات، بينما يتراجع الإحساس الداخلي بالانتماء إلى ما نعيشه، من دون أن ننتبه إلى اللحظة التي بدأ فيها ذلك التراجع.

قبل سنوات، قرأت مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت، وظلت فكرتها المحورية ترافقني طويلاً، وهي تحكي عن رجلين يقفان على طريق موحش في انتظار شخص اسمه غودو، لكنه لا يأتي أبداً، ولا يعرفان حتى لماذا ينتظرانه، يدركان عبث هذا الانتظار، ومع ذلك يواصلانه، حتى يصبح الانتظار نفسه طريقة للعيش والتأقلم، وهنا تتجاوز المسرحية حدود الحكاية، لتكشف عن الإنسان الذي يؤجل مواجهة أسئلته الكبرى، ويواصل الركض نحو غاية لا يعرف ماهيتها، آملاً أن يحمل الغد ما عجز الحاضر عن منحه، لذلك، بقي هذا العمل الأدبي حياً بفلسفته العميقة..!

وتزداد المفارقة حين تقدم الحياة الحديثة حلولاً لا تمس جوهر المشكلة، فكلما شعر الإنسان بالفراغ، وُجه إلى مزيد من الإنتاجية، وإحكام تنظيم وقته، وتحسين أدائه، ليتحول بذلك سؤال المعنى إلى مسألة كفاءة، بينما يُختزل القلق الوجودي في نصائح لتحسين الأداء، ومع مرور الوقت، يتعلم الإنسان كيف يتجاوز ألمه قبل أن يدركه، فيغدو الانشغال وسيلة دائمة لتأجيل مواجهة الذات..!

ومع تكرار هذا النمط، يفقد الإنسان حساسيته تجاه ما يحدث في داخله، فيصبح ما كان يثير قلقه مألوفاً، وما كان يشعره بالغربة يتحول إلى جزء من روتينه اليومي، وهكذا لا يعود الاغتراب تجربة عابرة، وإنما الإطار الذي تُفهم من خلاله الحياة، وتُصاغ داخله القرارات، وتتشكل فيه صورة الإنسان عن نفسه، من دون أن يدرك ذلك..!

وثمة وجه آخر لهذا الاغتراب، لا يلتفت إليه كثيرون، وهو الاغتراب عن اللغة نفسها، فحين يعجز الإنسان عن تسمية ما يشعر به، يفقد شيئاً فشيئاً قدرته على فهم نفسه، فالكلمات تمنح الإنسان القدرة على إدراك ما يشعر به، بقدر ما تمنحه القدرة على التعبير عنه، وما يعجز عن تسميته، يظل معلقاً في روحه وكيانه، يعيد تشكيل علاقته بذاته من حيث لا يشعر، ولهذا لا يكون فقر اللغة مجرد عجز عن الوصف، بل تضيق معه مساحة الوعي أيضاً، لأن الإنسان لا يدرك ذاته خارج اللغة التي يفكر بها، ويمنح بها تجاربه أسماءها ومعانيها.

لذلك يبدأ الخلاص الحقيقي، حين يستعيد الإنسان صلته بنفسه، وليس بمحاولاته المستميتة لتغيير العالم، فالاغتراب الأعمق، يحدث عندما يغدو الإنسان غريباً عن ذاته، بينما يواصل حياته مطمئناً أن كل شيء يسير كما ينبغي..!